كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102.د.رفيق حبيب

vtdr

كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
0
تحولات الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي
كيف يجهض الانقلاب؟
خريطة طريق الثورة
د. رفيق حبيب
سبتمبر 3102
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
3
توالت العديد من المشاهد منذ الانقلاب العسكري، لتكشف مسار المواجهة بين الانقلاب والثورة.
فالانقلاب العسكري صعد من إجراءاته البوليسية القمعية بشكل غير مسبوق، مما يؤكد على أنه يبحث عن
نصر سريع، وحركة مناهضة الانقلاب، أكدت قدرتها على الصمود والاستمرار، لأنها تراهن على
الوقت. فالمعركة بين الانقلاب والثورة، هي معركة وقت، فإذا نجح الانقلاب سريعا، تفشل الثورة لمرحلة
طويلة، وإن لم يحقق النجاح الذي يستهدفه سريعا، تنجح الثورة.
وأتبع الانقلاب العديد من الخطوات القمعية، بدءا من الانقلاب نفسه، والذي يعد أعلى درجات
ممارسة عنف وإرهاب الدولة، حيث أنقض قادة الانقلاب على الديمقراطية الناشئة، وقوضوا كل ما تحقق
في مسار التحول الديمقراطي، اعتمادا على سلاح القوات المسلحة، وتحت غطاء شعبي.
فأصبح الانقلاب ينجح بالعنف، وحركة مناهضة الانقلاب تنجح بالسلمية.
ومنذ اللحظة الأولى للانقلاب، بدأت حملة منظمة ومستمرة على وسائل الإعلام التي لا يسيطر
عليها الانقلاب، وهو ما يعني أن خطة الانقلاب اعتمدت على التعتيم الإعلامي الكامل، حتى يتم إخفاء
الجزء الآخر من الصورة، أي حركة مناهضة الانقلاب، وحتى تحتكر وسائل إعلام الانقلاب الصورة،
وتركز على تبرير الانقلاب، وتقدم الرموز الانقلابية فقط، فتبدو مصر، وكأنها بلا أي حركة معارضة
للانقلاب.
مما جعل مصير الانقلاب مرتبطا بقدرته على تغييب الوعي، وهو ما يعني أن إفاقة الوعي العام،
تفشل الانقلاب.
ومنذ البداية، استخدم الانقلاب سياسية الاعتقال، كوسيلة لشل حركة مناهضة الانقلاب واستعادة
الثورة، بدءا من اعتقال الرئيس المنتخب، ثم اعتقال قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الحرية
والعدالة، وحزب الوسط، وبقية القوى المعارضة للانقلاب. كما تمادى قادة الانقلاب في اعتقال
المتظاهرين والمعتصمين، حتى يشل حركة مناهضة الانقلاب.
فأصبح استمرار حركة مناهضة الانقلاب، رغم كل الاعتقالات، تعني أن الثورة تستعاد،
والانقلاب يفشل تدريجيا.
وشن قادة الانقلاب حملة مستمرة على كل أصحاب الرأي الآخر، حتى من يختلف معهم من
حلفائهم، حتى لا يبقى هناك رأي آخر، وحتى لا يسمع الناس أي رأي آخر، وكأنه قصد بهذا، أن يحدث
حالة من التعتيم الإعلامي الكامل والشامل، حتى يسيطر على وعي عامة الناس، وحتى يسيطر على
الرأي العام.
واستخدام الانقلاب لسياسة تكميم الأفواه، تعني أنه يدرك أن حقيقته مرفوضة شعبيا، وهو ما
يجعل كشف حقيقته، وكشف سياسة التعتيم الإعلامي، من العوامل المهمة لإفشال الانقلاب.
ومنذ بداية الانقلاب، بدأت عملية القتل والتصفية الميدانية، في الشارع، منذ مذبحة الحرس
الجمهوري، حتى مذابح فض الاعتصام، ثم مذبحة رمسيس وغيرها. وتلك المذابح المتتالية، استهدفت
تخويف المشاركين في حركة مناهضة الانقلاب، حتى لا يشاركوا في فاعليات حركة مناهضة الانقلاب،
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
2
خوفا من الإصابة أو القتل. لذلك استمرت عملية الهجوم من قبل البلطجية أو القوات النظامية على
مسيرات حركة مناهضة الانقلاب، حتى توقف هذه المسيرات، أو تقلل قدرتها على الحشد.
وهو ما يؤكد أن قدرة المجتمع على مقاومة عمليات التخويف الدموية، تعني قدرته على
الاستمرار في كسر جدار الخوف، وهو ما يفشل الانقلاب.
لم يحاول قادة الانقلاب فقط، تخويف المؤيدين لحركة مناهضة الانقلاب، ولكنه استخدم منهج
التخويف مع المؤيدين للانقلاب أيضا، حيث حاصرهم بخوف من عنف وإرهاب محتمل، مستندا على
أحداث عنف، أغلبها مدبر من جانب الانقلاب، وبعضها لا يرتبط بحركة مناهضة الانقلاب أساسا، مثل
بعض أحداث سيناء، وبعضها حدث بسبب حالة الغضب والانفجار الشعبي، الناتجة من العنف المفرط
للقوات النظامية، تجاه المتظاهرين والمعتصمين.
وبقدر إدراك عدد أكبر من مؤيدي الانقلاب، أنه استهدف إجهاض حريتهم، بقدر ما ينكشف أنه
انقلاب على كل المجتمع، وعلى الحرية والثورة، فينكشف الانقلاب ويفشل.
وقد ركز قادة الانقلاب على فض اعتصامات حركة مناهضة الانقلاب، لدرجة دفعتهم لارتكاب
مذبحة ضد المعتصمين من قبل القوات النظامية، لم تعرف مثلها مصر في التاريخ الحديث. وهو ما يؤكد
على أن قادة الانقلاب، لديهم تخوف من استمرار الحركة الظاهرة لمناهضة الانقلاب، واعتبروا أن
الاعتصام في الميادين العامة في مدينة القاهرة، يمثل ظهورا بارزا لحركة مناهضة الانقلاب، وأنه يعطي
فرصة لتوجيه الخطابات السياسية، وتنظيم عملية الاحتجاج على الانقلاب.
وبقدر ما تظهر مخاوف الانقلابين من حركة مناهضة الانقلاب واستعادة الثورة، بقدر ما يظهر
خوفهم من الفشل، فيظهر ضعفهم الحقيقي، وهو ما يساهم في إجهاض الانقلاب.
وخلال أسابيع، نفذ الانقلاب العسكري، العديد من السياسات القمعية المتتالية، واستخدم العنف
المفرط، والتعذيب الوحشي، والذي أدى إلى مذبحة أبو زعبل، مما يؤكد على أن الانقلاب، يعتمد أساسا
على فرض قبضة حديدية على المجتمع كله، وليس فقط على مناهضي الانقلاب العسكري. فقد أعلن قادة
الانقلاب حالة الطوارئ، وفرضوا حظرا للتجول، تم تطبيقه بشدة، حتى يعيش المجتمع كله في حالة
خوف، تعيد بناء جدار الخوف مرة أخرى، وتسمح باستعادة السياسة القمعية البوليسية، حتى يتم السيطرة
على المجتمع، وإجهاض الحرية التي تحققت بعد الثورة.
وعندما يدرك عامة الناس، أن الانقلاب يهدف لتخويفهم، حتى يستسلموا له، تستيقظ القطاعات
المطالبة بالحرية، والتي ترى أن الثورة قامت من أجل الحرية، وأن الحرية لا تقايض لا بالخبز ولا
بالأمن، مما يعيد المجتمع لمعركة الحرية، وهو ما يجهض الانقلاب.
حركة مناهضة الانقلاب
التحالف الوطني لدعم الشرعية واستعادة الثورة، بدأ حركته مبكرا، فقد بدأ اعتصامي رابعة
العدوية والنهضة، قبل الانقلاب العسكري، إدراكا لمخطط إجهاض الثورة. واستطاع الاستمرار والصمود
في الاعتصامات والمظاهرات، رغم كل السياسات القمعية التي مورست ضد حركة مناهضة الانقلاب.
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
4
والواقع أن استمرار حركة مناهضة الانقلاب، حققت العديد من الانجازات، من خلال قدرتها على
امتصاص ضربات الانقلاب العسكري، واستمرارها في مقاومته.
فقد استطاعت حركة مناهضة الانقلاب، امتصاص الصدمة الأولى، وهي صدمة الانقلاب
العسكري، وتحركت الجماهير الحاشدة في الأيام التالية له، بصورة أفقدت الانقلاب أي شرعية منذ
اللحظة الأولى. كما استمرت حركة مناهضة الانقلاب، بعد مذبحة الحرس الجمهوري، ومذبحة المنصة،
ورغم حملات الاعتقال المستمرة منذ اليوم الأول للانقلاب.
وبعد مذبحة فض الاعتصامين، في رابعة العدوية والنهضة، استمرت حركة مناهضة الانقلاب
في التظاهر، وخرجت مظاهرات حاشدة في يوم الجمعة 01 أغسطس، أي بعد يومين من مذبحة فض
الاعتصام. ثم حدثت في هذا اليوم مذبحة رمسيس، والتي تبعتها مذبحة أبو زعبل، واستمرت حركة
مناهضة الانقلاب، تحشد في الشارع يوميا.
كما استطاعت حركة مناهضة الانقلاب كسر حظر التجوال، وهو في حقيقته لم يكن إلا حظرا
للتظاهر المناهض للانقلاب العسكري. مما مكنها من امتصاص الإجراءات البوليسية القمعية، وتحريك
الشارع بشكل مستمر، حتى لا يستقر الانقلاب العسكري، ويكتسب شرعية من الصمت عليه.
وقام الانقلاب العسكري، بأكبر حملة اعتقالات، في صفوف قيادات حركة مناهضة الانقلاب،
وأستهدف أساسا شل حركة جماعة الإخوان المسلمين، من خلال اعتقال قيادات الصف الأول والثاني،
واعتقال القيادات الميدانية، والرموز السياسية، وأعضاء مجلسي الشعب والشورى. وتوقع قادة الانقلاب
العسكري، أن تؤدي حملة الاعتقالات، مع حملات التعذيب والتخويف والقتل، إلى شل حركة مناهضة
الانقلاب، وهو ما لم يحدث.
وفي مظاهرات الجمعة 21 أغسطس، وبعد نحو شهرين من الانقلاب، وسياساته القمعية
البوليسية، استطاعت حركة مناهضة الانقلاب، تحريك حشود واسعة في العديد من المناطق، وعبر
محافظات مصر، بصورة أكدت أن الحركة استطاعت امتصاص تأثير كل السياسات القمعية، والاستمرار
في مناهضة الانقلاب. ورغم أن الانقلاب العسكري، استخدم العديد من أوراق الضغط، وبصورة متتالية
وتصعيدية، إلا أنه لم يحقق هدفه الأساسي، وهو إجهاض حركة مناهضة الانقلاب واستعادة الثورة.
توسع حركة مناهضة الانقلاب
رغم التعتيم الإعلامي الشامل، وملاحقة كل وسائل الإعلام التي لا تنتمي لقادة الانقلاب
العسكري، استطاعت حركة مناهضة الانقلاب، كشف زيف ادعاءات الانقلاب العسكري، خاصة مع
ممارسات الانقلاب البوليسية الدموية. فقد كانت أفعال الانقلاب العسكري نفسها، هي أهم ما يكشف
أهدافه ومخططاته أمام عامة الناس.
وكانت مذابح فض الاعتصامات، من المشاهد المهمة، التي كشفت حقيقة الانقلاب العسكري،
وكشفت أيضا مخططه الأساسي، المتمثل في استعادة الدولة البوليسية القمعية. وكانت بحور الدماء التي
سالت دفاعا عن الحرية والثورة، كاشفة لما يخطط له قادة الانقلاب، ورغبته الملحة في إخضاع المجتمع
لحالة من الخوف، والسيطرة عليه مرة أخرى، وإجهاض الثورة والحرية بالكامل.
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
5
وقد ظهر منذ الوهلة الأولى، أن الانقلاب العسكري، يعيد دولة النظام السابق مرة أخرى للحكم،
ويجهض كل ما قامت ثورة يناير من أجل تحقيقه، مما أكد لقطاعات كبيرة من المجتمع، أن الانقلاب
العسكري، لم يهدف إلى انتخابات رئاسية مبكرة، ولم يهدف حتى إلى إعادة مسار التحول الديمقراطي
مرة أخرى، بل هدف أساسا إلى إجهاض التحول الديمقراطي برمته.
واستطاعت حركة مناهضة الانقلاب، أن توضح حقيقة موقفها، ومناصرتها للحرية والثورة، في
وجه انقلاب عسكري، يحاول إجهاض الثورة بالكامل، وإعادة النظام السابق. مما مكن حركة مناهضة
الانقلاب تدريجيا، من كشف الوجه الحقيقي للواقع، والمتمثل في المعركة بين الثورة والثورة المضادة،
رغم المحاولة المستمرة من قادة الانقلاب، في حصر المعركة مع جماعة الإخوان المسلمين.
فتوسع سياسات الدولة البوليسية، وحصار كل من له رأي آخر، حتى من خصوم الإخوان
المسلمين، وخصوم التيار الإسلامي، كشف الوجه الحقيقي للانقلاب أمام قطاعات مهمة من المجتمع،
ومنها قطاعات خدعت بمظاهرات 21 يونيو، وخدعت بفكرة الانتخابات الرئاسية المبكرة، واكتشفت في
النهاية، أنها شاركت في مخطط لإجهاض الثورة والحرية.
ومع استمرار انكشاف المواقف الحقيقية لحركة مناهضة الانقلاب، والمواقف الحقيقية للانقلاب
العسكري، تمددت جماهير حركة مناهضة الانقلاب تدريجيا، وهي لم تكن في الحقيقة أقلية محدودة منذ
اللحظة الأولى، ولكنها عانت من التعتيم الإعلامي منذ اللحظة الأولى.
وبعض فض الاعتصامات، تحولت حركة مناهضة الانقلاب، إلى التوسع المكاني والزماني،
فأصبحت حركة واسعة في الشارع، تتحرك عبر قطاعات مختلفة من المجتمع، وفي العديد من الأماكن،
مما ساهم في توسيع حركة مناهضة الانقلاب أكثر. وهو ما يؤكد على أن حركة مناهضة الانقلاب، هي
استمرار للحالة الثورية، التي تحققت في يناير 3100 ، وأنها استطاعت معرفة حقيقة الانقلاب العسكري،
قبل أن يحدث، لذا وقفت ضده منذ اللحظة الأولى، ولم تمكنه من فرض سيطرته على المجتمع.
مظاهرات 21 أغسطس
بعد شهرين من مظاهرات 21 يونيو، التي يفترض أنها طالبت بانتخابات رئاسية مبكرة، ثم
أصبحت غطاءً لانقلاب عسكري، تبدلت الصورة في مصر، بل نقول ظهرت الصورة الحقيقية. فقد كانت
ملامح 21 أغسطس، كاشفة لحقيقة ما يحدث في مصر، رغم كل تعتيم إعلامي.
فمن ناحية الانقلاب العسكري، تم محاصرة الميادين الكبرى، خاصة ميادين التحرير ورابعة
العدوية والنهضة وأمام قصر الاتحادية، كما تم محاصرة المساجد الكبرى، وقطع الطرق الرئيسية، من
قوات نظامية، من قبل الجيش والشرطة، في مشهد يؤكد أن الانقلاب العسكري، يهدف أساسا لمنع
التظاهر. واستخدم الانقلاب العسكري، حالة الطوارئ وحظر التجوال، وسياسة الاعتقال المستمر
للقيادات والمتظاهرين، كما استخدم التعتيم الإعلامي الفج، وملاحقة أي إعلامي لا يوالي للانقلاب، كما
استمر استخدام البلطجية في التعدي على المظاهرات السلمية لفضها.
وكان من الواضح، أن قادة الانقلاب، لديهم تخوف حقيقي من قيام أي اعتصام في أي ميدان مهم،
وهو ما جعلهم يستخدمون العنف في منطقة المهندسين. كما تأكد أن قادة الانقلاب يخشون من وصول
المتظاهرون إلى أي من ميادين الاعتصامات الشهيرة، خاصة رابعة العدوية والتحرير، وإن كان
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
1
المتظاهرون قد وصلوا فعلا إلى محيط قصر الاتحادية. كما أتضح أن لدى قادة الانقلاب تخوف من أي
مظاهرات في الشوارع الرئيسة، في مدينة القاهرة، لهذا قطعوا تلك الشوارع بالقوات النظامية.
كل تلك المخاوف لدى قادة الانقلاب، تعني أنهم يخشون من أن تظهر حركة مناهضة الانقلاب،
في الأماكن الرئيسة، أو الشوارع الهامة، أو الميادين الرئيسة، حتى لا يتم تغطية ما يحدث من حشد واسع
إعلاميا. وكأن قادة الانقلاب قد وصلوا لمرحلة إنكار الواقع، ويريدون إخفاء وجه الحقيقة، وكأن إخفاء ما
يحدث على الأرض، يمكن أن يغير الواقع. وتلك الحالة التي وصل لها الانقلاب، تؤكد أنه أصبح أسير
مخاوفه، بعد أن حاول جعل المجتمع، خاصة حركة مناهضة الانقلاب، أسيرة للمخاوف والقلق.
الحصار المضاد
تحققت في يوم 21 أغسطس، عملية حصار مضادة مهمة، فقد أصبحت القوات النظامية
المشاركة في الانقلاب، محاصرة في قلب الميادين الكبرى والطرق الرئيسة داخل العاصمة القاهرة،
وحولها مظهرات ومسيرات متحركة ومستمرة في كل مكان، تحاصر تلك القوات، أي تحاصر الانقلاب،
وتجعله موجودا في جزء من العاصمة، وليس حتى كل العاصمة.
وتلك الاستراتيجية التي دفعت لها حركة مناهضة الانقلاب بسبب فض الاعتصامات، قدمت في
الحقيقة بديلا مهما ومؤثرا لحركة مناهضة الانقلاب، وهو الحصار المضاد للانقلاب داخل قلب القاهرة،
دون أطرافها. فيصبح انقلاب وسط البلد، تحاصره حركة مناهضة الانقلاب في كل أنحاء البلد.
وأول ما يستفاد مما حدث، أن حركة مناهضة الانقلاب أمامها العديد من البدائل، أما الانقلاب
العسكري، فليس أمامه إلا بديلا واحدا، وهو أن يفرض ما يريد على كل المجتمع كل الوقت. وقد تأكد من
خلال حركة مناهضة الانقلاب، أن الانقلاب العسكري لن يستطيع فرض ما يريد على أغلب الناس، ولا
في أغلب الوقت، فيبقى في النهاية، انقلاب يحظى بتأييد أقلية كل الوقت، بعد أن خسر قطاعات أيدته عند
بدايته، واكتشفت حقيقته بعد ذلك.
وكلما استطاعت حركة مناهضة الانقلاب، حصار الانقلاب العسكري عبر المكان والزمان
والمجتمع، استطاعت واقعيا أن تراكم فعلا ثوريا، يعيد الثورة مرة أخرى، ويعيد الحرية، ويعيد أيضا
المسار الديمقراطي.
فحصار الزمان، يتمثل في استمرار حركة مناهضة الانقلاب في الحركة أغلب الوقت، مما يجعل
الانقلاب محاصرا بحركة رافضة له أغلب الوقت، ويجعله أمام حشود ترفضه وتهتف ضده أغلب الوقت،
فلا يجد مساحة من الزمن يستريح فيها من الحركة المناهضة له، فلا يتحقق له أي قبول حقيقي عبر
الزمان.
والحصار المكاني، يتمثل في إبقاء القوات النظامية المستخدمة في إجهاض الثورة والحرية
والديمقراطية، مرابطة تحمي ما تعتبره رمزا للدولة ورمزا للانقلاب العسكري، متمثلا في طرق وميادين
رئيسة في العاصمة القاهرة، وبعض المدن الكبرى، مما يجعل دولة الانقلاب، تتضاءل مكانيا، حتى
تصبح دولة ميادين العاصمة الرئيسة، أي دولة تثبت رؤيتها وفكرتها في صورة ميدان خالي، تحيط به
القوات النظامية، وتمنع المتظاهرين من الوصول إليه.
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
7
وإذا كان الانقلاب يريد أن يصور نفسه، على أنه ثورة أو استكمال للثورة، ويحاول تحقيق ذلك
من خلال صورة ميدان التحرير الخالي، والذي تحميه القوات النظامية حتى لا يصل له أي متظاهر
معارض للانقلاب؛ فإن ذلك يؤكد على أن الانقلاب العسكري، قد أدركت مدى ما يواجه من فشل، حتى لم
يعد أمامه إلا الحفاظ على بعض الميادين الخالية، حتى يدعي عدم وجود معارضة له.
ولا يمكن للقوات النظامية للانقلاب، غلق كل ميادين مصر، أو قطع كل طرق مصر، لذا يبقى
حصارها داخل الميادين المهمة في القاهرة، سببا رئيسا في تقليص التواجد المكاني للانقلاب العسكري،
مع توسع التواجد المكاني لحركة مناهضة الانقلاب، بصورة كبيرة وواضحة.
أما الحصار المجتمعي المهم، فهو يتحقق بقدر ما تنضم قطاعات جديدة لحركة مناهضة
الانقلاب، خاصة من تلك القطاعات التي أيدت الانقلاب، وهي لا تعرف أنها تؤيد انقلاب دموي؛ فمن كان
يعرف منذ البداية حقيقة الانقلاب، أو من يؤيد الحقيقة التي ظهرت للانقلاب، سوف يبقى على موقفه، لأنه
لا يريد الحرية والثورة والديمقراطية، بقدر ما يريد التصفية الدموية للقوى الإسلامية.
والتوسع عبر عامة الناس له أهمية خاصة، فالكثير من عامة الناس، لم يكونوا مع الانقلاب أو
حركة مناهضة الانقلاب، والبعض لم يدرك حقيقة ما يحدث، والبعض تصور أن ما يحدث صراع بين
قوى سياسية، لذا فإن وضوح صورة الانقلاب وكشف أهدافه، ومعرفة قطاعات واسعة من أنه يستهدف
أساسا حريتهم، يتيح تحريك حركة مناهضة الانقلاب، حتى تحمي الحرية التي يراد إجهاضها، وتستعيد
الثورة، التي يراد إجهاضها أيضا.
موجات التوسع
المتابع لحركة مناهضة الانقلاب، يجد أنها حققت العديد من موجات التوسع، عبر المكان والزمان
والمجتمع، مما جعل أداة التوسع، تمثل أقوى استراتيجية لحركة مناهضة الانقلاب، وهي في الوقت نفسه،
أكثر ما يخشاه قادة الانقلاب العسكري. مما يعني، أن توسع حركة مناهضة الانقلاب، واستمرارها
وصمودها، يؤدي عمليا إلى تقلص الأرضية التي يقف عليها الانقلاب العسكري، مما يجعله محاصرا في
النهاية، بحالة من الرفض الشعبي، التي تهدد بقاءه، وتفتح الباب أمام إجهاض الانقلاب العسكري.
ويركز قادة الانقلاب على منع تجمع المظاهرات، ومنع التظاهر في الميادين والشوارع الرئيسة،
ومنع الاعتصام؛ مما جعل أمام حركة مناهضة الانقلاب، العديد من البدائل الأخرى، حتى تترك الانقلاب
يستنزف نفسه، في حماية وقطع الميادين والطرق الرئيسة. فالتوسع في التظاهر والاحتجاج، عبر الزمان
والمكان وشرائح المجتمع، أصبح أفضل وسيلة لتوسيع دائرة الاحتجاج والرفض للانقلاب. مما يعني أن
حركة مناهضة الانقلاب، تحتاج للحضور في أغلب الوقت، أمام أغلب الناس، في أغلب الأماكن، من
خلال أغلب شرائح المجتمع، حتى تحقق حضورا واقعيا، رغم أي تعتيم إعلامي.
لذا تصبح عملية تسيير المظاهرات، التي تنتشر في أرجاء مصر، سلاحا فعالا، أمام الانقلاب
العسكري، لأنه تشكل حالة من الرفض الواسع، التي تجعل الانقلاب محاصرا في الزمان والمكان
والشرائح المؤيدة له. وأهم ما يفشل الانقلاب، أن يكون انقلاب أقلية، يهدف لفرض حكم الأقلية، ويهدف
لفرض هوية الأقلية، وبهذا يصبح واقعيا وعمليا، انقلاب ضد الأغلبية وضد التيار السائد في المجتمع،
وضد أغلب المجتمع، وقد كان كذلك منذ اليوم الأول، ويبقى أن تتأكد هذه الحقيقة عمليا وواقعيا.
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
8
الرمز والشعار
تشكلت تدريجيا حالة رمزية لحركة مناهضة الانقلاب، فهي منذ اليوم الأول ترفع صورة الرئيس
محمد مرسي، ليس لأنه الرئيس المنتخب فقط، بل لأنه الرئيس الذي رفض المشاركة في الانقلاب،
ورفض عملية تقويض الديمقراطية، ليس حتى يستمر في الحكم حتى نهاية ولايته، بل حتى يحافظ على
شرعية الإرادة الشعبية، وشرعية الاختيار الحر لعامة الناس. فالرئيس محمد مرسي، رفض التجاوب مع
مطالب قادة الانقلاب، لأنه أراد أساسا أن يحمي شرعية الديمقراطية، ويحمي الثورة، وحرية عامة الناس.
وبعد مذبحة رابعة العدوية والنهضة، أصبح لحركة مناهضة الانقلاب شعار تحمله، يتمثل في
شعار رابعة العدوية، وبهذا تتشكل ملاح حركة واضحة، تهدف أساسا لاستعادة الثورة المختطفة، وتحمل
شعاراتها ورموزها، مما يمكنها من الحضور، عبر الاحتجاج الشعبي، وعبر القائد الرمز الصامد، وهو
الدكتور محمد مرسي، وعبر الشعار الملهم، وهو شعار رابعة العدوية.
فشعار رابعة العدوية، الذي وضع بعد المذبحة، أصبح شعارا للحرية في مواجهة الاستبداد،
وشعارا للصمود في مواجهة القتل، وشعارا للقدرة على الاستمرار والنضال، في مواجهة الاعتقال
والتعذيب والسجن. وهو بهذا شعار للحرية، في مواجهة كل ما يمثله الاستبداد والسياسات القمعية
البوليسية. وأصبح شعار رابعة العدوية، يحمل القدرة على الاستمرار والصمود، فهو شعار له رمزية
خاصة، لا يستطيع أحد قتلها، كما لم يعد أحد قادرا على إجهاض الإرادة الحرة التي ترفع شعار الحرية.
وبقدر ما ينتشر شعار رابعة العدوية، عبر المكان والزمان، وفي مختلف بقاع الأرض، بقدر ما
يتحول إلى رمز لنضال شعب، يرفض الاستبداد، ويناضل من أجل استعادة ثورته وحريته. ليصبح شعار
رابعة العدوية، رمزا للأحرار في العالم.
الحرية هي المسألة
أهم ما يقوي حركة مناهضة الانقلاب، أن يعرف الجميع هدف تلك الحركة، فهي حركة المحافظة
على الحرية والثورة، وحركة تحقيق التحرر الكامل لكل الشعب المصري، وللإرادة الشعبية الحرة،
وتحقيق حرية كاملة غير منقوصة.
والدفاع عن الشرعية، لم يكن إلا دفاعا عن اختيارات عامة الناس الحرة، ودفاعا عن صندوق
الانتخاب الحر والنزيه، والدفاع عن الدستور الذ أقر بإرادة شعبية حرة، حتى تبقى الإرادة الشعبية الحرة،
وحتى لا يخرج أحد عليها بعد ذلك، وحتى لا يتم تقويض خيارات عامة الناس الحرة مرة أخرى. فالقضية
لم تكن دفاعا عن شخص أو فصيل، بل دفاعا عن مبدأ، ودفاعا عن قواعد العملية السياسية الديمقراطية،
حتى لا يخرج عليها أحد مرة أخرى.
فحركة مناهضة الانقلاب، هي حركة تدافع عن حق كل الناس، في اختيار من يحكمهم ومن
يمثلهم، واختيار النظام السياسي الذي يعبر عنهم، والهوية والمرجعية التي تعبر عنهم، كل الوقت، وليس
لبعض الوقت. مما يعني، أن حركة مناهضة الانقلاب، هي حركة تحمي حق كل الناس في الاختيار الحر،
في الحاضر وفي المستقبل. لذا كان الدفاع عن الشرعية، هو مناهضة للخروج على إرادة عامة الناس،
لأن أي خروج عليها، سوف يتبعه خروج آخر، مرة بل ومرات.
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
9
فالاستسلام لانقلاب عسكري، سوف يجعله الانقلاب الأول، الذي تتبعه انقلابات عسكرية أخرى،
سواءً بالخروج المباشر على السلطة المنتخبة، أو بتهديد تلك السلطة بالخروج عليها، ومن ثم اخضاعها
لسلطة عسكرية. لأن نجاح الانقلاب العسكري، يعني أن السلطة الحقيقة أصبحت في يد قادة العسكر، ولم
تعد في يد أي سلطة منتخبة.
لذا فإن حركة مناهضة الانقلاب، تنجح بقدر ما يعرف أغلب الناس، أنها حركة تدافع عن حرية
كل الناس، وأن كل من يريد أن يدافع عن حريته وحقه في الاختيار، عليه أن يقبل بما تختاره الأغلبية،
حتى تجرى الانتخابات مرة أخرى، في مواعيدها الدستورية. وكل من يريد أن يحافظ على حريته، عليه
أن يقبل بالدستور الذي توافق عليه الأغلبية، حتى يتاح تعديله بالإجراءات الدستورية، وبإرادة شعبية حرة
أيضا.
أما كل من لا يوافق على خيارات عامة الناس، ويفضل الانقلاب عليها عسكريا، ويريد تقييد
حرية عامة الناس، ولا يقبل بالتحرر الكامل غير المنقوص، فلا مكان له في حركة مناهضة الانقلاب،
ومكانه سيظل مع الانقلاب العسكري، وسوف يرحل أو يعزل شعبيا، مع سقوط الانقلاب العسكري.
الرهان على الزمن
تحتاج حركة مناهضة الانقلاب إلى التوسع الزمني، ليس فقط لتحقيق كل أشكال التوسع، ولكن
أيضا لكشف مخططات الانقلاب العسكري. ولأن الانقلاب العسكري، لا يستطيع إخفاء حقيقته طويلا،
لأنه يريد تنفيذ مخططه، لذا فإن الزمن يخصم من أي رصيد من التأييد الشعبي للانقلاب العسكري،
لصالح حركة مناهضة الانقلاب، حتى لا يبقى معه، إلا مؤيدي الحكم العسكري، ومؤيدي الاستبداد.
فمع أول ظهور للتعديلات الدستورية التي يريد تنفيذها الانقلاب العسكري، أتضح أنه يريد بناء
نظام سياسي، يقوم على هوية إسلامية مفرغة من المضمون، وهوية علمانية فعلية، وديمقراطية شكلية لا
معنى لها أو تأثير. وأنه في سبيل تحقيق ذلك، يريد أن يبني نظاما سياسيا، تكون السلطة العليا فيه
لمؤسسات في الدولة، جعلتها التعديلات الدستورية، دولة فوق الدولة، وهي القوات المسلحة والقضاء، مما
يجعل سلطة المنتخب بلا أي فاعلية، وتبقى السلطة في يد الدولة العميقة، ممثلة في نخبة الدولة المتحكمة
في مختلف مؤسسات الدولة، بأدوات أمنية بوليسية، تجعل من نخبة القوات المسلحة والقضاء، هي الحاكم
الفعلي للبلاد.
وهكذا يكشف دستور الانقلاب، وجهه الحقيقي، والذي ظهر منذ اليوم الأول، بل وكان معروفا
قبل الانقلاب، لأن هذا الانقلاب العسكري، كان مخططا له منذ فترة، وهو ليس إلا حلقة من حلقات سلسلة
انقلابات أخرى فشلت، وكان أغلبها انقلابات غير مباشرة، وبعضها انقلابات قضائية، وكلها كان لها
هدف واحد، وهو بناء نظام سياسي علماني واستبدادي الجوهر، وله شكل إسلامي دمقراطي خارجي،
ليس إلا قشرة تجميلية، سرعان ما تسقط، مثل أي قناع زائف.
لذا، فإن الانكشاف المتتالي لحقيقة الانقلاب العسكري، وفر في الواقع فرصة لاستكمال بناء
الإرادة الشعبية التي يمكن أن تستعيد الثورة، وتحمي مسارها بعد ذلك، وتستعيد الديمقراطية، وتحمي
قواعدها وشرعيتها بعد ذلك.
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
01
مواجهة التعتيم الإعلامي
مع حالة التعتيم الإعلامي التي تواجهها حركة مناهضة الانقلاب، أصبح عليها إظهار الحقيقة أمام
أغلب الناس أغلب الوقت، وهو أمر ليس سهلا. ولكن التجربة أكدت، أن الحقيقة تظهر أكثر لفئات أكبر
مع الوقت، ومع قدرة الإعلام البديل على التمدد في ساحات الفضاء الالكتروني، وقدرة حركة مناهضة
الانقلاب على تسجيل الحدث وتصويره، مما جعل الحقيقة مسجلة بشكل كامل وكافي، ويبقى نشرها بين
الناس، حتى يعلم أغلب الناس ما يحدث فعليا، ويعلموا الحقيقة كاملة، وليس أي شيء آخر غير الحقيقة.
والانقلاب العسكري، مثل أي انقلاب عسكري، يخشى الحقيقة، فهي دائما ليست في مصلحته،
ولا تنصره. فلو علم أغلب الناس أن الانقلاب العسكري كان مخططا له قبل أن يحدث، ولو علم أغلب
الناس أن مظاهرات 21 يونيو، لم تكن حالة شعبية تلقائية، بل حالة مخطط لها من أجهزة استخبارات،
ولو علم أغلب الناس أن المشكلات التي عانى منها الشارع قبل الانقلاب، كان أغلبها مدبرا، ولو علم
أغلب الناس، أن أكبر تحدي واجه الرئيس كان الفساد، وأنه دخل في حرب على الفساد، وهو ما عجل
بالانقلاب ضده، ولو علم أغلب الناس، أن الانقلاب لا يريد استعادة الديمقراطية، بل يريد استعاد دولة
الاستبداد والقمع، وإعادة النظام السابق، وحماية شبكات الفساد؛ لو علم أغلب الناس هذه الحقائق وغيرها،
ما استمر الانقلاب العسكري، وربما لم يقم أصلا.
لذا فإن كشف الحقيقة، والذي يستغرق وقتا، بسبب حالة التعتيم الإعلامي المنهجية، يمثل عنصرا
مهما لنجاح حركة مناهضة الانقلاب واستعادة الثورة. وكشف الحقيقة، يتحقق أولا بالحقيقة الموجودة على
الأرض، والتي كلما انتشرت وتوسعت رآها أغلب الناس. فالمذابح والاعتقالات وإطلاق الرصاص الحي،
وغيرها من السياسات البوليسية، تحدث على الأرض، ويراها بعض الناس، ثم يراها معظم الناس مع
الوقت.
لهذا يصبح التمدد الزماني والمكاني، من أهم أساليب الإعلام البديل، الذي يظهر حركة مناهضة
الانقلاب أمام أغلب الناس أغلب الوقت، حتى يظهر الحقيقة لمن يريد أن يعرفها. فهناك قطاعات من
المجتمع، غارقة في الخصومة للتيار الإسلامي، ولا تريد أن تعرف الحقيقة، وتؤيد الانقلاب، حتى إن
أعاد الدولة البوليسية بالكامل، وتلك القطاعات ليست مستهدفة بأي نوع من الإعلام الواقعي، لأنها سوف
تبقى مع الانقلاب العسكري، حتى تفاجئ بسقوطه.
كيف يجهض الانقلاب؟
استخدم الانقلاب العسكري سياسات بوليسية قمعية، سبق استخدامها في خمسينات القرن
الماضي، أما حركة مناهضة الانقلاب، فإنها استخدمت التظاهر والاحتجاج السلمي، متمسكة بروح الربيع
العربي، الذي أنفجر في عام 3100 . فأصبحنا أمام من ينتمي لماضي أنتهى، ومن يتمسك بمستقبل بدأ
يشرق، ولم يستكمل شروقه بعد.
والواقع يؤكد على أن من يحقق انتصارات متتالية، هي حركة مناهضة الانقلاب، لأنه رغم
استخدام الانقلاب العسكري للسياسات القمعية التي عرفت في مصر في خمسينات القرن الماضي وما
بعدها، إلا أن واقع مصر وصورتها الآن في مختلف الأماكن، تختلف تماما عن واقع وصورة مصر في
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
00
خمسينات القرن الماضي، حيث خضع المجتمع كله في تلك الفترة، للسياسات القمعية البوليسية، وأدخلت
القوى التي ناهضت تلك السياسة، خاصة جماعة الإخوان المسلمين إلى السجون.
وجماعة الإخوان المسلمين نفسها اختلفت، بعد اعتقال الآلاف منها في خمسينات القرن الماضي،
توقف دور الجماعة عمليا، ورغم تكرار ما حدث في تلك الفترة مرة اخرى مع الانقلاب العسكري، إلا أن
الجماعة مازالت حاضرة، ليس فقط كجمهور بل كتنظيم أيضا، بعد أن أصبحت مستعدة لأي إجراءات
قمعية تتخذ ضدها.
فجماعة الإخوان المسلمين، ظلت بعد الثورة، تحسب حساب الثورة المضادة، وتعمل حساب
عودة النظام السابق، وتضع في توقعها احتمالات نجاح الثورة المضادة، بل واحتمال عودة سياسات القمع
مرة أخرى، فظلت متأهبة وجاهزة لأي انقلاب على الثورة، ولأي محاولة لاستئصال الجماعة، وشل
حركتها. ففي كل مراحل التاريخ، لم يكن هناك ثورة، بدون ثورة مضادة تحاول إجهاضها. كما أن
سياسات الدولة البوليسية القمعية الاستبدادية، لم تتوقف للحظة واحدة بعد ثورة 35 يناير، وإن تراجعت
فقط، مما كان يؤكد للمتابع دائما، أن الدولة العميقة مازالت متماسكة، وقادرة على الانقضاض على
الثورة.
ومع عودة سياسات الخمسينات من القرن الماضي، لم يعد الشارع لما كان عليه في تلك الحقبة،
بل تأكد أنه شارع آخر، شارع ثائر، عرف معنى الثورة وعرف معنى الحرية والكرامة، ولن يقبل
الاستغناء عن حلم الحرية والكرامة. لهذا، فإن السياسات القمعية، التي فاقت كل ما حدث في زمن نظام
مبارك، لم تحقق حتى ما كانت تحققه تلك السياسات في ذلك زمن مبارك. فالسياسات القمعية قبل الثورة،
كانت تمنع عمليا تكرار المظاهرات، أو توسعها، حتى بعد مرحلة الحراك السياسي التي بدأت في عام
3115 . وما يحدث من حراك الآن، بقيادة حركة مناهضة الانقلاب واستعادة الثورة، لم يحدث من قبل في
ظل دولة الاستبداد التي استمرت لستة عقود. مما يعني أن الزمن تغير، وأن حركة مناهضة الانقلاب،
هي التي تمثل روح العصر، وتساير مسار التاريخ، وتعمل بمقتضى المرحلة التاريخية، التي تشكلت بعد
الربيع العربي.
فإذا كانت كل تلك الإجراءات القمعية، لم تصل بالبلاد لحالة ما قبل الثورة، إذن الثورة فعليا
مازالت مستمرة. وكل من يتمكن من الحفاظ على الروح الثورية، التي تطالب بالحرية للجميع، وتطالب
بحماية الإرادة الشعبية الحرة، سوف يتمكن من حصار الانقلاب أولا، حتى يجهض في النهاية.
بناء إرادة الثورة
الانقلاب سوف يجهض، عندما يستكمل بناء إرادة الثورة على الاستبداد والفساد بكل صورهما،
وهي تلك الإرادة التي لم يستكمل بناؤها في ثورة 35 يناير، وأصبح من الضروري استكمال بناء إرادة
الثورة الشعبية، قبل إجهاض الانقلاب، حتى إذا أدى هذا إلى تأخر لحظة إجهاض الانقلاب.
وبناء الإرادة الشعبية الثورية، التي تطالب بالحرية كاملة غير منقوصة، يحتاج إلى التوسع
الزماني والمكاني والمجتمعي، كما يحتاج للإعلام البديل، وانكشاف حقيقة الانقلاب، واستعادة الوعي
لعامة الناس، كما يحتاج لبناء قاعدة راسخة للثورة، تتمثل في تكاتف الكل من أجل الحرية للجميع، رغم
الاختلاف السياسي بين التيارات المختلفة. وهو ما يعني بناء قاعدة شعبية تحمي الثورة، حتى يدافع الكل
كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة سبتمبر 3102
03
عن الحرية، رغم الاختلاف السياسي بينهم، وأن يقبل الكل بنتائج العملية الديمقراطية وخيارات عامة
الناس، حتى وإن اختلف معها، وأن يحافظ الكل على قواعد العملية السياسية الديمقراطية، ويمنع الخروج
عليها مرة أخرى.
فالإرادة الشعبية الواضحة والفاعلة، هي التي سوف تجهض الانقلاب العسكري، وحركة
مناهضة الانقلاب، تبني هذه الإرادة الشعبية عمليا وفعليا، وتترجمها إلى واقع ظاهر على الأرض، وكلما
أتسعت دائرة تلك الإرادة وفعلها الواضح على الأرض، أصبحت عمليا قوة ردع ضد الانقلاب، تفشل
تحقيق أي هدف له، فيفشل الانقلاب في النهاية. فالانقلاب العسكري، حدث بالفعل، وأدى إلى نتائج سلبية،
ولم يعد من الممكن تجاوزه وكأنه لم يكن، فقد أصبح واقعا، يمثل نجاحا مرحليا للثورة المضادة على
الثورة، لذا فإن إفشاله يتمثل في استعادة الثورة مرة أخرى.
وحركة مناهضة الانقلاب، تنجح بقدر إفشال كل سياسات الدولة البوليسية القمعية، وإفشال
مخطط وأد حركة مناهضة الانقلاب، ثم إفشال حالة التعتيم الإعلامي، وإفشال كل سياسات الانقلاب،
حتى تصل تلك المعركة إلى ذروتها، بإفشال أي محاولة لبناء نظام سياسي، يكرس نموذج الدولة
البوليسية القمعية، وذلك من خلال حشد جماهيري واعي لما يحدث، ورافض لأي إجهاض لحريته التي
حققتها الثورة.

تعليقات

تعليقات

ربما أيضا تريد مشاهدة...

التعليقات غير مسموحة

التاريخ الهجري

صوتك يهمنا

مارأيك في المواقف السياسية للحزب

النتائج

Loading ... Loading ...

SoundCloud

الأرشيف

تصنيفات