ثورة التحرير و التوافق الوطني

Capture

بقلم الاستاذ مخلوف بن عمر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

من مميزات التاريخ الجزائري أن الذكريات تأتي فيه تترى، تتزاحم لتبدد ثقافة النسيان، فتذكر الجميع بسلسلة من الدروس من معنه الذي لا ينضب.
و لقد شدتني هذه الأيام مقولة الزعيم نلسون مانديلا التي عبر فيها عن امتنناه للجزائر التي صنعت منه رجلا، في الوقت ذاته الذي قرعت فيه ذكرى 11 ديسمبر الباب لتذكرنا بالهبات المتتالية التي أكدت أن “الشعب هو البطل”، و هو صانع التغيير، و أن التفافه حول مشروع هو الضمان الأساسي لنجاحه.
و انطلاقا من ذلك كانت هذه الأسطر إشادة بثورة هذا الشعب العظيم و احتفاء بها، خاصة في سياق الاحتفال بالفاتح نوفمبر، إذ تشرفت عشية هذه الذكرى المجيدة باعتلاء منصة جبهة التغيير، في أولى جلسات منتدى التغيير لأتحدث عن ثورة التحرير… لنتداول كيفية تحقيق شعار رفعناه: “الجزائر من التحرير إلى التغيير”، أو عن سبل تحقيق المشروع النوفمبري.
و لقد كان المشروع النوفمبري تحرريا، ثوريا، تغييريا و توافقيا, و إنما يتركز حديثنا هنا على هذا البعد لنتناول: “ثورة التحرير و التوافق الوطني”.
و ربما اعترض علينا من يستغرب الجمع بين البعدين، مستندا على أن الثورة في مفهومها رفض لتكريس الأمر الواقع و انقلاب عليه و قطيعة معه، و من ثم كان الحديث عن التوافق في نظره ضربا من التعسف، بل من الجهل.
و ربما فات هؤلاء أن الثورة الحقيقية – خاصة بحجم الثورة التحريرية الجزائرية المباركة – هي إقامة لواقع جديد و ارساء لأسسه، و أن استمرار أي ثورة و بالتالي تعبيد الطريق نحو نجاحها، مرهون بتوافقات جوهرية، و بحرص على وضع كثير من العوامل في نصابها حتى تصير مؤيدات للنجاح.
و بهذا المنطق كانت ثورتنا ثورة حقيقية جسدت ذلك القول البليغ بأن: “الثائر الحق… الذي يثور ليهدم الفساد… ثم يهدأ ليبني الأمجاد… الثورة تأتي لهدم الفساد و بناء الأمجاد”.
و لقد تلمست ذلك البعد التوافقي في الثورة التحريرية، فوجدته يتجلى – في وجهة نظري المتواضعة في مجموعة من العناصر هي:
-الالتفاف الشعبي: اتخذت نخبة قرار تفجير الثورة، و رأت “مجموعة من الشباب المسؤولين الواعين – كما ورد في بيان أول نوفمبر- أن الوقت قد حان لإخراج الحركة الوطنية من المأزق الذي أوقعها فيه صراع الأشخاص و التأثيرات لدفعها إلى المعركة الحقيقية الثورية” لكن النأي عن النخبوية و الزعامات، و عن الفنادق و الصالونات كان ديدن الثوار فاستهلوا بيانهم بمخاطبة الشعب الجزائري و سجلوا فيه كون “الشعب الجزائري في أوضاعه الداخلية متحدا حول قضية الاستقلال”، و كان ختام البيان: “أيها الجزائري إننا ندعوك لتبارك هذه الوثيقة، و واجبك أن تنضم لإنقاذ بلدنا و العمل على نسترجع له حريته… إن جبهة التحرير هي جبهتك، و انتصارها هو انتصارك”
و لذلك حينما راح أحد رموز الجهاد المبارك الشهيد العربي بن مهيدي يردد : “ارموا بالثورة للشارع تحتضنها الجماهير” كان رجع الصدى ذلك الشعار المحوري: “الشعب هو البطل”، و سجلت أروع صفحات البطولة الشعبية في مظاهرات 11 ديسمبر، و في الاضرابات (1958)، و في التحاق الطلبة الجماعي بالثورة 19 ماي 1956..
الوثيقة البينة:لم تكن انطلاقة الثورة المجيدة صرخة في واد متمثلة في مجرد شعارات أو هتافات، بل كان الإعلان النوفمبري وثيقة صيغت بأحرف من نور و نار، و نداء للشعب الجزائري وجهته الكتابة العامة لجبهة التحرير الوطني باعتبارها حركة تجديدية، داعية إياه لمباركة الوثيقة، محددة الأهداف، و الوسائل، و المواقف، مقدمة العربون بتقديم “أنفس ما نملك” للوطن.
المبادئ السامية:لم تكن ثورة الشعب الجزائري مبتورة الصلة بمقومات شخصيته و في مقدمتها الدين الإسلامي، فالمبادئ الإسلامية هي الغطاء المنصوص عليه في بيان أول نوفمبر، بل إن الموعد ذاته تزامن مع الخامس من شهر ربيع الأول: عشية ذكرى المولد النبوي الشريف، و كذلك تزامنت هجمات 20 أوت 1955 مع غرة محرم رأس السنة الهجرية.
و لهذا التلازم دلالات تؤيده المصطلحات المعتمدة (المجاهد، الشهيد، الفدائي…) فضلا عن الحرص على الشعائر الإسلامية، والأخلاق الفاضلة و إمامة القائد للصلاة، و صيحة “الله أكبر”، و الإعراض عن محاكم “القاوري” الكافر، و تفضيل القضاء الأهلي الشرعي.
الهدف النبيل: حرصت الثورة المجيدة منذ انطلاقتها على ضبط الإيقاع على هدف واضح حاسم هو الاستقلال الوطني، و فصلت الوسائل (الواسطة) بعقلية توافقية: فإلى جانب المبادئ الإسلامية أوردت الديمقراطية الاجتماعية، و نصت على احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.
و في سياق ذكر الأهداف الداخلية و الخارجية جمعت بين الحرص على التجميع و تنظيم جميع الطاقات و تحقيق وحدة شمال إفريقيا و التعاطف مع جميع الأمم المساندة للقضية الجزائرية التحريرية من جهة، و الإصلاح و التطهير السياسي و القضاء على الفساد و مخلفاته و تدويل القضية الجزائرية من جهة أخرى.
و في هدة الصياغة التوافقية عبقرية حققت التوازن بين مكونات الشعب الجزائري، فصارت كلها تجد نفسها في هذا البيان، باستثناء من تطرف أو تعسف.
التجميع التوافقي: حرصت الثورة على رفع لافتة جديدة تتوجه من خلالها إلى المعركة الحقيقية، بمنطق التجميع و التنظيم، و أولوية المصلحة الوطنية، للخروج من المأزق و الصراعات، و السمو فوق الاعتبارات التافهة، و التركيز على العدو الوحيد وهو الاستعمار.
و لذلك كانت الجبهة وعاء يجمع المناضلين الواعين و المخلصين، و انصهرت الطاقات في بوتقة وطنية واحدة، متجاوزة الأنانيات و الجهويات، و كانت اللجنة الثورية للوحدة و العمل، و مارس قادة الثورة مهامهم بعيدا عن مناطقهم الاصلية، و فتحت الثورة ذراعيها لكل التيارات، بل قدمت في صفوفها بعض من عرفت على مواقفه التاريخية بعض المآخذ.
و أما العصب والمجموعات التي ظهرت في أواخر الثورة فلم تكن على أساس عرقي أوجهوي في تسمياتها، بل على أساس التموقع الجغرافي.
الوحدة الإقليمية: لقد كان العنق الاستراتيجي في حلقته الإقليمية المتمثلة في شمال إفريقيا حاضرا باستمرار، بالكفاح التحرري في شمال إفريقيا مسار واحد، و الوحدة في العمل دعوة مستمرة، و وجهة النظر الأساسية المنصوص عليها بيان أول نوفمبر تدفع على الاستقلال الوطني في إطار الشمال الإفريقي، بل إن تحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها العربي و الإسلامي هدف مسجل بوضوح في النداء.
و كم هي معبرة كلمات شاعر الثورة مفدي زكريا و هو يصدح: “كل مسلم، بشمال إفريقيا، يؤمن بالله و رسوله و وحدة شماله هو أخي، و قسيم روحي، فلا أفرق بين تونسي و جزائري و مغربي، و بين مالكي و حنفي و شافعي و إباضي و حنبلي، و لا بين عربي و قبائلي، و لا بين مدني و قروي، و لا بين حضري و آفاقي، بل كلهم إخواني أحبهم و أحترمهم و أدافع عنهم ما داموا يعملون لله و الوطن، و إذا خالفت هذا المبدأ فإني أعتبر نفسي أعظم خائن لدينه و وطنه”.
ضبط العلاقات و المواقف: لقد كان الحرص على الوضوح المناسب للحسم الثوري متكررا في بيان أول نوفمبر(“لكي يتبين بوضوح”، “تحاشيا للتأويلات الخاطئة”، “أن نوضح لكم الأسباب العميقة”، “فإننا نوضح بأننا مستقلون”…)
و بقدر ما كان التأكيد على القطيعة مع الروتين الجمود، و مع الحركة الوطنية المحطمة، و نبذ الاحتلالنبذا نهائيا جليا، لم تغب نبرة أخرى دالة على الرغبة في السلم، و تحديد الخسائر، و الحيلولة دون إراقة الدماء، داعية إلى فتح مفاوضات، و خلق جو من الثقة، و احترام المصالح الفرنسية المكتسبة بنزاهة، و فتح باب الجنسية الجزائرية أو الإقامة كأجانب لمن رغب من الفرنسيين في البقاء في الجزائر.
لقد كانت الأولويات محددة، و التوازنات المطلوبة واضحة، وكانت العلاقات مضبوطة في مختلف محاورها (بين الجزائريين، مع الجزائر، مع المستعمر، بين الداخل و الخارج، بين السياسي و العسكري..)
تلك هي بعض التوافقات في ثورتنا المباركة أثمرت توفيقات و تكللت بالاستقلال، وذاك هو المسار لكل من يرد إخراج البلاد من أزمتها العميقة… “و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان”

تعليقات

تعليقات

ربما أيضا تريد مشاهدة...

0 تعليقات على “ثورة التحرير و التوافق الوطني”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

التاريخ الهجري

صوتك يهمنا

مارأيك في المواقف السياسية للحزب

النتائج

Loading ... Loading ...

SoundCloud

الأرشيف

تصنيفات