النظام السياسي بين التمدين و العسكرة

1600081_416792648452089_307959314_n

لم تفلح 25 سنة منذ إقرار التعددية السياسية دستوريا (1989) في تمدين النظام السياسي ، كما لم تتقدم بنا العهدات الثلاث للرئيس بوتفليقة أي خطوة في اتجاه تغليب السياسي على العسكري التي أقرها مؤتمر الصومام في 1956 .
و جاءت التصريحات الأخيرة للامين العام لحزب جبهة التحرير الوطني التي استعار لها عنوانا براقا هو «الدولة المدنية » لتعيد الموضوع للواجهة الإعلامية و للتداول السياسي ، و لكنه شوش عليه بالشخصنة المفضوحة و الحسابات الضيقة و الأغراض الانتخابية ، مما كشف زيف الدعوى و هشاشة الأطروحة لأنها جاءت من الحزب الحاكم المطالب بالتنفيذ و التطبيق و ليس بالعويل و الإثارة ، كما أن الطرح لم يكن موضوعيا فقد ذكر صاحب التصريح أشياء و غفل عن أشياء الم يكن هو و حزبه الجهة المستفيدة انتخابيا من تدخل الجيش في الحياة السياسية .
و لكن هذا يجب أن لا يمنعنا من تحرير موضوع تمدين النظام السياسي من ما شابه من توظيف سيئ و استغلال سياسوي و تشويه مقصود في إطار لعبة صراع المصالح عندما لا تستطيع أن تتصالح .

الشيخ و تمدين النظام السياسي :

هذا المصطلح أول من استعمله في الجزائر هو الشيخ محفوظ نحناح منذ ربع قرن و قد لخص رؤيته للموضوع في البرنامج البديل الذي دخل به رئاسيات 1995 و مما جاء فيه : ” سأعمل على إخراج البلاد من النظام الأحادي إلى نظام سياسي جديد يعتمد التعددية و المبادئ الجمهورية و ينظم المنافسة السياسية في إطار المؤسسات التمثيلية المنتخبة .. و هذا النظام السياسي الجديد ذو طابع مدني يسيره مدنيون و للجيش فيه موقع المحافظة على الاستقلال الوطني و تأمين الحدود الإقليمية و حماية المجال الجوي و البحري و يظل منزها عن كل الصراعات السياسية و الخلافات الحزبية و محررا من ضغوط و تجاذب الجماعات و المجموعات ليبقى موحدا يحمي بوحدته البلاد »
و عندما يتحدث عن رؤيته لدور المؤسسة العسكرية يقترح جملة اقتراحات تخدم فكرة تحديث الجيش و عصرنته في إطار نظام سياسي مدني من بينها : « تنظيم الجيش تنظيما عصريا و تمكينه من الإمكانات التقنية التي تجعله جيشاً محترفا و عصريا و قويا — إخضاع السياسات الأمنية و الميزانية العسكرية الشفافية و عرضها و مناقشتها في الجلسات البرلمانية — إنشاء إعلام متخصص في شؤون الأمن و الدفاع لإشراك جميع القوى في الاهتمامات الوطنية الكبرى — توسيع الصلاحيات الاستشارية للمجلس الأعلى للأمن و إعادة النظر في تركيبته حتى تتمكن من ممارسة مهامه الوطنية من غير هزات — إبقاؤه ( الجيش ) بعيدا عن المناورات السياسية و تحرير قراره من الضغوطات.»
هل توجد فقرة واحدة في برنامج الحزب الحاكم تتحدث عن الدولة المدنية و إبعاد العسكر عن التدخل في الحياة السياسية !؟ . فكيف يأتي اليوم أمين عام الحزب الحاكم و يحاول إقناعنا بأنه داعية مدني و هو يعترف بلسانه في نفس الوقت أن حزبه معسكر و في حاجة إلى تمدين ! إن فاقد الشيء لا يعطيه .
ان جبهة التغيير تسير على النهج الذي سطره الشيخ نحناح رحمة الله عليه و قد طرحت منذ تأسيسها فكرة الجمهورية الثانية التي تهدف أساسا إلى بناء دولة على أساس جمهوري مدني ديمقراطي برلماني .

بوتفليقة و العسكر :
لقد كان مجيء بوتفليقة في 1999 بداية مأمولة لمشروع تمدين النظام السياسي و رغبة من الجيش بالتراجع خطوة إلى الوراء و فسح المجال لرئيس مدني متمرس لقيادة البلاد ، و كان المأمول من أطراف سياسية كثيرة أن ينجح بوتفليقة في إرساء نظام سياسي مدني تدريجيا و قد سمعت من الرئيس الراحل احمد بن بلة رحمه الله في لقاء جمعنا به في بيته منذ سنوات تبريره تأييد الرئيس بوتفليقة على غيره من المترشحين آنذاك هو انه أكثرهم قدرة على قيادة جنرالات الجيش ( قال باللهجة الجزائرية هو اللي قادر عليهم). و لكن بعد خمسة عشر سنة الحصيلة هي إخفاق تام في تمدين النظام السياسي بل ازدادت العسكرة و لبست السياسة ” الكاسكيطة “ بدون ” قراد ‘ و الأدلة على ذلك كثيرة ، و ليس المجال هنا لتفصيلها و السبب لا يعود إلى الاستطاعة بقدر ما يعود إلى القناعة. و اليوم لا يمكن الوصول الى نتيجة أخرى بتكرار نفس الطريقة و الأداة ، من هنا فان الدعوة إلى الدولة المدنية المقابلة للدولة العسكرية عندما تأتي من طرف أركان العهدة الرابعة فلن يصدقها احد فما لم تحققه العهدات الثلاث المتتالية فلن يتحقق بالعهدة الرابعة .
ان ما أقرؤه من خلفيات هذه الدعوة بالإضافة إلى انه استجابة للاستفزاز الحزبي هو تسويق انتخابي ( و لكنه غير موفق ) للعهدة الرابعة في اتجاه الدول الغربية لتبريرها و الإقناع بأهميتها و خدمتها للديموقراطية الغربية و تناسقها مع الشرق الأوسط الكبير و مشروع الإصلاح السياسي الذي تريد بسطه هذه الدول على دول المنطقة.. . أنها لا تعدو أن تكون قضية حق أريد بها باطل و أي باطل !.

التجارب الديمقراطية في التمدين :

الأهم في نقاشنا اليوم هو التحرر من الشطحات و الإثارة الإعلامية و التحول إلى المستوى الدستوري و بحث الآليات الدستورية الكفيلة بتحديد العلاقة بين السياسيين و العسكريين في ظل نظام ديمقراطي ، و لذلك تتأكد الدعوة التي ظلت ترفعها جبهة التغيير من اجل الإصلاح الدستوري. ولكي نصل إلى ما وصل إليه غيرنا ممن سبقنا في ترسيخ الديمقراطية و بناء الدولة الحديثة على الأسس المدنية و نطرح السؤال كيف تنظم الدول الديمقراطية دور الجيش في النظام السياسي ؟ .
لقد اكتشفت الدول الغربية في مسيرتها لبناء الديمقراطية ان التدخل العسكري في الحياة السياسية معيق للتحول الديمقراطي و البداية الصحيحة تكمن في تحييد الجيش سياسيا و تكريس المواطنة و احترام الإرادة الشعبية و غرس قيم السلام و التسامح و تأطير المشاركة المجتمعية و نشر الثقافة المدنية . و قد نجحوا في تجسيد هذه القيم و المفاهيم من خلال اقتراحات محددة :
• إطار دستوري قانوني ينظم الدولة و يحدد طبيعة النظام الذي تسيطر فيه المؤسسات السياسية على المؤسسة العسكرية .
• تولي شخص مدني لوزارة الدفاع .
• آليات للمراجعة و المراقبة على المؤسسة العسكرية .
• الإنفاق العسكري يخضع للمؤسسات المنتخبة بمعنى مناقشة البرلمان لميزانية وزارة الدفاع تفصيلا و أخذ رأيه في صفقات السلاح .
• التعيينات و الترقيات و الإقالات للقيادات العسكرية تتولاها قيادات سياسية رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو و زير الدفاع حسب الصلاحيات في كل دولة .
• منع العسكر من العمل السياسي و الانتماء للأحزاب و أيضاً منعهم من حق التصويت و حق الترشح للمناصب السياسية . و في بعض التجارب مثلما هو متبع في أمريكا يتعدى المنع الأعمال السياسية ليصل إلى منع تدخل الجيش في الأعمال المدنية .
إن التوازن في الدعوة إلى التمدين يقتضي الإقرار بأنه كما هو مطلوب حماية السياسة من تدخل العسكر فيجب حماية الجيش من التدخلات غير الشرعية للسياسة و إخضاعه للصراعات السياسية و استخدامه للأغراض السلطوية بعيدا عن مهامه الوطنية .
و خلاصة نقول انه يمكن لكل دولة تعيش مرحلة تحول ديمقراطي أن تحدد أولوياتها المرحلية و ترسم استراتيجياتها الأمنية و تبلور بالتوافق الوطني الخطوات المتدرجة لبناء نظام سياسي مدني ، و البداية الصحيحة تكون من خلال الإصلاح الدستوري ، لصياغة دستور توافقي و ليس دستور الرئيس او دستور الأغلبية او دستور السلطة بل دستور الدولة الجزائرية بجميع أبنائها دون حيف أو تمييز أو تفريق .
و إلى أن يفتح النقاش حول الدستور و طبيعة النظام السياسي في الجزائر نبقى نردد ما قاله الشيخ نحناح :
”الجزائر حررها الجميع و يبنيها الجميع “

هذه محاولة لتصحيح مسار النقاش حتى لا نغرق في فنجان سعيداني و لا نصب الماء خارج الكأس الجزائري .

تعليقات

تعليقات

ربما أيضا تريد مشاهدة...

0 تعليقات على “النظام السياسي بين التمدين و العسكرة”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

التاريخ الهجري

صوتك يهمنا

مارأيك في المواقف السياسية للحزب

النتائج

Loading ... Loading ...

SoundCloud

الأرشيف

تصنيفات