محطات لأهم الأحداث الأخيرة على الساحة التركية

Capture

محطات لأهم الأحداث الأخيرة على الساحة التركية والسيناريوهات المتوقعة قُبيل انتخابات البلدية نهاية آذار/ مارس القادم.

بقلم: طلال جامل.

أولاً: جماعة كولن والحزب الحاكم.. التجاذبات الداخلية والدولية:

جماعة فتح الله كولن -التي يطلق عليها اسم “الخدمة”- هي أكبر فروع جماعة النورسيين الصوفية التي أسسها بديع الزمان سعيد النورسي، وتقوم على شبكة من المؤسسات الاجتماعية والخدماتية في مجالات التعليم والصحة والاهتمام، وتهتم تحديداً بفئة الطلاب من خلال مئات المدارس، والمساكن الطلابية داخل وخارج تركيا، في حين يعرف عنها تاريخياً زهدها في العمل السياسي، من خلال شعار “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم والسياسة” الذي ترفعه.

وبالرغم من عملها على الساحة التركية منذ عشرات السنين، لم تؤسس الجماعة حتى الساعة حزباً سياسيا ولا احترفت العمل السياسي، بل كانت تسعى دائما للتغلغل في مؤسسات الدولة من جيش، وشرطة، وقضاء، وأمن عام، مكتفية في الانتخابات بدعم مرشحين أو أحزاب معينة، مثل حزبي الطريق القويم، والوطن الأم اليمينيين، وحزب اليسار الديموقراطي بقيادة بولند أجاويد (صاحب الحادثة الشهيرة بطرد النائبة المحجبة من البرلمان)، حيث لم تكن يوماً على وفاق سياسي مع زعيم الحركة الإسلامية في تركيا الراحل نجم الدين أربكان.

ومع بزوغ نجم “العدالة والتنمية” وتوليه زمام السلطة، نشأ “حلف غير معلن” بين الحزب والجماعة، حصلت من خلاله الأخيرة على الكثير من الامتيازات، من نواب ووزراء، وحرية عمل، وانتشار في مقابل تصويت أعضاء الجماعة للحزب. تبع ذلك دمج عدد كبير من أعضائها في الحزب، وترقية الكثيرين منهم في مختلف مؤسسات الدولة، “وخاصة جهاز الاستخبارات”، إضافة لكشف بعض خطط الانقلاب على الحكومة التي شاع أن الجماعة هي من سربت وثائقها. إلا أن شهر العسل لم يدم طويلاً وبدأت في السنوات الأخيرة إشاعات الخلافات من جهة، ونفيها من جهة أخرى، في الانتشار.

وفي حين يرى بعض المراقبين أن العدالة والتنمية تقصّد مواجهة الجماعة وإضعافها، إثر شعوره أنه لم يعد محتاجاً لأصواتها ولا مضطراً للخضوع لضغوطها بعد 11 عاماً من الحكم، يرى آخرون أن ملف خلافة أردوغان في رئاسة الحزب والحكومة، وتنافس تيار الجماعة مع تيار الفكر الوطني (ميللي جوروش) الذي أنشأه رئيس الوزراء الراحل أربكان داخل العدالة والتنمية هو الذي فجر الخلافات المختفية تحت السطح، في حين ترى مجموعة ثالثة أن الجماعة هي التي استعجلت هذه المواجهة من خلال مواقفها التي أغضبت أردوغان والحزب في عدة ملفات، عُدّ بعضها بمثابة تحضير لانقلاب على الحكومة ورئيسها.

منذ إعدام “عدنان مندريس” في الخمسينات، وحتى السنوات القليلة الماضية، لم يحدث أن دخلت الجماعات الإسلامية بتركيا في صراع مع الحكومات المتعاقبة، بما في ذلك حكومات العسكر، بل إن جماعة فتح الله كولن سبق أن دعمت رسمياً رئيس الوزراء التركي السابق بولنت أجاويد ذا التوجه اليساري.

وعلى خلاف تاريخها، دخلت جماعة فتح الله كولن، المسماة بـ”الخدمة”، في السنوات الأخيرة، في خلاف متصاعد مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، وذلك لأسباب عديدة أهمها شخص رئيس جهاز الاستخبارات التركية، هاكان فيدان، أقرب رجال الدولة إلى رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، والذي وقف حائلاً في وجه محاولات الجماعة للتغلغل داخل جهاز الاستخبارات، وتسبب -برفقة أردوغان- في إحداث أزمات دبلوماسية مع “إسرائيل” أثرت سلباً على المصالح الاقتصادية للجماعة.

كولن (زعيم الجماعة) يقيم في الولايات المتحدة وكان قد رفض دعوة من أردوغان وأخرى من الرئيس غول للرجوع إلى تركيا بعد انتهاء القضايا التي كانت مرفوعة ضده من الأنظمة السابقة. وتثار دائماً إشاعات عن قربه من الغرب وعلاقاته معه.

أحد المعلقين على الخلاف القائم بين جماعة فتح الله كولن وحكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قال: “الجماعة ولأول مرة في تاريخها تتجرأ على مواجهة حكام تركيا.. يبدو أن أخلاق الحاكم أغرتهم”، مشيراً إلى مراحل كثيرة في تاريخ الجماعة دعمت فيها كلّ من وصل إلى الحكم بمن فيهم العسكر الذين أطاحوا برئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، وكذلك حكومات حزب الشعب الجمهوري، وحكومات علمانية، ويسارية متطرفة منعت الحجاب وضيقت على المسلمين.

ثانياً: مآخذ جماعة كولن على حكومة أردوغان:

إذا أردنا أن نذكر أبرز مآخذ الجماعة على حكومة أردوغان يمكن أن نلخصها في النقاط التالية:

1. حكومة أردوغان انحرفت في السنوات الأخيرة عن مسار الإصلاح، وتعزيز الديموقراطية، ولم تنجح في صياغة دستور جديد للبلاد، واتجهت نحو الشرق الأوسط، وتراجعت مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

2. إيجاد المشاكل مع “إسرائيل” يبعد تركيا عن المعسكر الغربي، ويقربها من إيران، وروسيا، والشرق الأوسط. ويجب على الحكومة التركية الابتعاد عن إثارة المشاكل مع تل أبيب في الوقت الراهن، لأنها ليست في صالح تركيا ولا داعي لها.

3. أردوغان الذي انشق عن تيار أربكان وأعلن تخليه عن “شعاراته الفارغة” قائلا، إنه “خلع ذلك القميص”، كأنه لبس مجدداً القميص نفسه وابتعد عن الواقعية في السياسة الخارجية، وتبنى أسلوب المغامرة في سورية ومصر، ما أدَّى إلى التخبط وخسارة تركيا حلفائها.

4. جماعة كولن تؤيد سياسة الانفتاح على الأكراد وتدعم المصالحة، ولكن لديها بعض التحفظات حول تعاطي حكومة أردوغان مع هذا الملف، وترى أنها تقدم تنازلات لحزب العمال الكردستاني، الذي يستغل أجواء المصالحة لتكثيف دعايته، وإعادة انتشار عناصره، دون أن ينسحب من الأراضي التركية أو يلقي السلاح. وهذا كلام غير صحيح لأنه يوجد دلائل كثيرة تشير إلى تورط الجماعة في محاولات إفشال عملية المصالحة بحسب توجيهات غربية.

5. موقف حكومة أردوغان من إيران يتسم بالعاطفية، وحسن الظن المبالغ فيه، وليس المطلوب من الحكومة معاداة إيران، ولكنه يجب الحذر من سياسة طهران الطائفية، وأهدافها التوسعية، وكذلك من محاولات الاختراق. وهناك كثير من الموالين لإيران ومدرسة الخميني الفكرية في حزب العدالة والتنمية وحول أردوغان، ما يلقي بظلاله على توجهات الحكومة.

6. حكومة أردوغان تستهدف “الجماعة” وتحاول التضييق عليها، من خلال إبعاد المنتمين إليها عن المناصب المهمة، وإغلاق مراكز الدروس الخاصة التي تعدّ من أبرز أنشطة الجماعة التعليمية والاقتصادية.

وأما اتهام الجماعة بمحاولة السيطرة على مفاصل الدولة، فهو اتهام باطل لا أصل له، ومن الطبيعي تعيين أعضاء الجماعة المؤهلين في مناصب حكومية مرموقة ليخدموا بلادهم.
7. جماعة كولن تقف سدّاً منيعاً أمام انتشار التوجهات الانفصالية والاختراق الإيراني، خاصة في المناطق ذات الأغلبية الكردية، ولصالح من يتم استهدافها؟

ثالثاً: حكومة أردوغان ترفض اتهامات كولن:

في المقابل، ترفض الأوساط الحكومية والمقربة منها هذه الانتقادات، والاتهامات التي توجهها جماعة كولن إلى حكومة أردوغان، وتردّ عليها بما يلي:

1. جماعة كولن تريد المشاركة في الحكم دون أن تتحمل مسؤوليتها السياسية، ولا يمكن للحكومة تسليم الحكم الذي منحه لها الشعب التركي عبر صناديق الاقتراع أو جزء منه، إلى جماعة لم تخض الانتخابات، لأنه يعدّ وصاية على الإرادة الشعبية. وليس بوسع الحكومة أن تتخلى عن الأمانة التي حمَّلها الشعب، وأن تسلم إلى الجماعة جميع المناصب التي تطلبها، مثل رئاسة الاستخبارات وغيرها من المناصب الحساسة. ومن غير المقبول في النظام الديموقراطي أن تكون هناك دولة داخل الدولة، وإن كانت الجماعة تسعى إلى حكم البلاد، فعليها تأسيس حزب سياسي لتخوض به الانتخابات، وتطلب من الشعب أن يمكنها من تشكيل الحكومة وحدها، أو المشاركة فيها.

2. الجماعة عاشت أفضل أيامها خلال السنوات العشر الأخيرة في عهد حكومات حزب العدالة والتنمية، وكانت القوى العلمانية تسعى لتصنيف جماعة كولن كمنظمة إرهابية، ولكن حكومة أردوغان حالت دون ذلك بتغيير قانون مكافحة الإرهاب. وبالتالي، اتهام الحكومة بالتضييق على الجماعة لا أصل له، بل أردوغان نفسه تدخل لمنع إغلاق مدارس الجماعة في روسيا، محذراً بوتين من أن خطوة من هذا القبيل قد تفسد العلاقات التجارية بين البلدين.

3. قرار إغلاق مراكز التعليم الخاصة لا يستهدف الجماعة، بل هو جزء من برنامج متكامل يرمي إلى إصلاح نظام التعليم الحالي، الذي يحمل الطلاب أعباء إضافية ويثقل كاهل الأسر. وكان الأستاذ فتح الله كولن قد اقترح على الانقلابين أيام التدخل العسكري في سنة 1997 أن يسلمهم مدارس الجماعة ومراكزها، فلماذا الجماعة الآن تدافع عنها بشراسة وكأنها مسألة حياة أو موت؟

4. منهج الجماعة عدم الخروج على “ولي الأمر” و”السلطة”، وعندما عارض الأستاذ فتح الله كولن انطلاق أسطول الحرية لكسر حصار غزة، قال: “كان عليهم أن ينسِّقوا أولاً مع السلطة”، في إشارة إلى الحكومة الإسرائيلية. وعدّ كولن قرارات مجلس الأمن القومي في 28/2/1997، اجتهاداً للمجلس “إن أصاب فيه فله أجران وإن أخطأ فله أجر”، فلماذا الآن اختار منهج الخروج على الحكومة؟

5. مبادرة الحل النهائي للمشكلة الكردية بالغة الأهمية لحاضر تركيا ومستقبلها، وربما الجماعة تشعر بأنها أصبحت خارج المعادلة أو تفضِّل الحلول العسكرية والأمنية على الحلول السياسية والتفاوضية، ولكن ليس من الوطنية استهداف المبادرة وخطواتها، بالرغم من تصريحات كولن المؤيدة للمصالحة.

6. الأحزاب السياسية أكثر شفافية وديموقراطية من الجماعات الدينية التي تقدِّس زعمائها وتطيعهم طاعة عمياء، وليس من العدل والإنصاف اتهام رئيس حكومة منتخبة بـ”الدكتاتورية” و”السلطوية”.وكتَّاب الجماعة يتهمون الحكومة بالضغط على وسائل الإعلام، ولكننا نجد حتى في وسائل الإعلام المقربة من الحكومة من ينتقد سياساتها، بخلاف وسائل الإعلام التابعة للجماعة التي لا يمكن أن تنشر أيّ خبر أو مقال ينتقد أنشطة الجماعة أو زعيمها.

7. اتهام الحكومة بمحاباة إيران لا أساس له، والتباين في موقفي البلدين من الثورة السورية خير دليل على ذلك، ولكن في المقابل هناك علامات استفهام كثيرة حول علاقة الجماعة مع الولايات المتحدة، فلماذا يقيم زعيم الجماعة فتح الله كولن في ولاية بنسلفانيا الأمريكية ولا يعود إلى أرض الوطن؟

رابعاً: رصد لمجريات أحداث قضايا الفساد:

لا يمكن لأحد أن يدعي أنه كان يتوقع ما قام به جهاز الجريمة المالية باعتقال العشرات من رجال الأعمال المحسوبين على حزب العدالة والتنمية، من بينهم ابن وزير الداخلية وأبناء وزيرين آخرين، وكذلك رئيس بلدية مدينة “الفاتح”، أكبر بلديات اسطنبول “مصطفى ديمير”، وهو من أوائل مؤسسي حزب العدالة والتنمية، وذلك للتحقيق معهم في تهم فساد مالي، وتلقي مبالغ مالية ضخمة في شكل رشوة.

والخطير حقاً في قضية الفساد التي كشفت في مطلع الشهر المنصرم هو وجود دولة داخل الدولة، دولة قادرة على إدارة تحقيق تشرف عليه خمسة أجهزة أمنية مختلفة طيلة أشهر دون أن يعلم مدراء هذه الأجهزة أو وزير الداخلية بهذه التحقيقات، وقادرة -أي هذه الدولة- على إخراج هذه التحقيقات للقضاء في يوم واحد، وعلى تنفيذها في يوم واحد أيضاً، دون أن يعلم مدرائهم أو الوزير المسؤول عنهم بهذا الأمر.

ثلاث قضايا فساد منفصلة تمّ تحريكها في يوم واحد، لتبدو كقضية واحدة مدوية، ويظنّ الناس أنها “قضية الفساد الكبرى” في تاريخ البلاد، وأن المعتقلين كلهم مرتبطون بعضهم ببعض.

التغطية الإعلامية للمداهمات والاعتقالات كانت مثيرة للغاية، حيث نُشِرَت وثائق ومعلومات عن المتهمين والقضايا مع أن تسريبها قبل استكمال التحقيقات يعدّه القانون جريمة، كما تمّ توزيع صور على وسائل الإعلام على أنها صور تمّ التقاطها خلال المداهمات، ويظهر في بعض الصور جهاز عد النقود على فراش نجل وزير الداخلية، ليعتقد الناس أنه كان يعد نقوده في غرفة نومه بجهاز لكثرتها، ولكن شهود عيان قالوا إن رجال الشرطة هم الذين أحضروا ذاك الجهاز.

وفي صورة أخرى تظهر كراتين مليئة بالدولارات قيل إنه تمّ العثور عليها في بيت الأمين العام لـ”بنك خلق” إلا أنها كانت في الحقيقة صورة قديمة مأخوذة من مواقع الإنترنت.

لا أحد يصدق أن هذه القضايا مجرد قضايا فساد، لأن ملفات القضايا كانت جاهزة قبل ستة أشهر على الأقل، كما أن بعض الصور التي يتم تقديمها كدليل يعود تاريخها إلى سنة 2009، ولكن حملة الاعتقالات تمّ تأخيرها إلى قبيل الانتخابات المحلية نهاية آذار/ مارس 2014.

يبدو أن جماعة كولن خلال سنوات التحالف مع حكومة أردوغان كانت تستعد لمثل هذا اليوم وتجمع الأدلة والوثائق عن طريق رجالها في أجهزة الشرطة والاستخبارات لاستخدامها ضدّ أردوغان سواء للابتزاز، أو لضربه وقت الحاجة، وتحفر له حفرة ليقع فيها إن لم يقبل مطالب الجماعة ووصايتها على الحكومة.

الجماعة ما زالت تصرّ على أن القضايا تتعلق فقط بالفساد، ولا تستهدف الحكومة أو أردوغان، إلا أن معظم الكتاب والمحللين في تركيا يرون غير ذلك، ويقولون إنها “صراع على السلطة ومؤامرة تهدف إلى تغيير الخارطة السياسية”، وإسقاط أردوغان عبر صناديق الاقتراع من خلال ربط اسمه بالفساد.

يشير الكاتب الصحافي “أحمد طاشغيتيران” في مقاله الأخير الذي ودَّع به قراء صحيفة “بوغون” التابعة لجماعة كولن، إلى أنه لا يرى القضايا الأخيرة مجرد قضايا فساد، بل يعتقد أنها امتداد لمعركة أخرى، في إشارة إلى الصراع على السلطة.

وتلفت الكاتبة الليبرالية “غولاي غوكتورك” إلى البعد السياسي للقضايا، وأن العملية تمّ التخطيط لها بعناية من حيث التوقيت والأهداف، وتشدد على ضرورة تصفية “المنظمة” التي تغلغلت في المؤسسات الحكومية وأجهزة الدولة كدولة داخل الدولة، وتصفها بـ”الخطر الذي يهدد الجميع”، وتشير إلى أنه لا يرى أحد نفسه في الأمان قبل تصفية تلك المنظمة.

الكاتبان “نديم شينير” و”أحمد شيك”، وهما صحافيان معارضان للحكومة التركية، تم اعتقالهما في قضية أرغينيكون، وأطلق سراحهما في ربيع 2012. وكانت الحكومة التركية تعرضت لانتقادات واسعة آنذاك واتهمت بالتضييق على حرية الرأي والصحافة، إلا أن الكاتبين الصحافيين يتهمان الآن جماعة كولن بالوقوف وراء اعتقالهما وليس حكومة أردوغان، بسبب كتاباتهما لكشف “التنظيم السري” للجماعة في أجهزة الشرطة.

إن محاولة ربط اسم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالفساد والرشوة يصعب نجاحها لأن الرجل اشتهر لدى عامة الناس بالنزاهة والبعد عن جميع مظاهر الفساد، ولكن هذا لا يعني عدم وجود أيّ فاسد في حزبه أو في الأوساط المقربة من حكومته. وبالتالي، على حكومة أردوغان أن تضرب الفساد بيد من حديد وتعاقب الفاسدين في إطار القوانين دون النظر إلى وجود مؤامرة تستغل هذا الملف لضربها.

الشارع التركي يرفض تدخل الحكومة والعسكر في شؤون القضاء، ولكنه يرفض أيضاً تدخل الجماعة فيها، ويطالب حكومة أردوغان بمكافحة الفساد والفاسدين، وكذلك محاربة المنظمة التي تستغل تغلغلها في أجهزة الدولة لأغراض سياسية، وفرض وصاية على الإرادة الشعبية باسم الجماعة التي تنتمي إليها. وهذه فرصة لا تعوض للتخلص من الاثنين وتنظيف المؤسسات.

إن الحرب المفتوحة التي تشنها جماعة كولن ضدّ أردوغان قد تكلِّفها ثمناً غالياً لينقلب السحر على الساحر، لأنها فتحت الملفات القديمة، ووضعت الجماعة تحت المجهر، وأعادت إلى الأذهان ما قاله زعيم الجماعة فتح الله كولن في حادثة الاعتداء الإسرائيلي على سفينة مرمرة، وكذلك حثّ أتباعه على “شراء قضاة” إن اقتضى الأمر لكسب قضاياهم، وغيرها من الأقوال والمواقف التي بالتأكيد سيزعج الجماعةَ تذكيرُها بها.

المحكمة قررت اعتقال 14 من الـ58 الذين تم احتجازهم في قضية الفساد والإفراج عن البقية بالتدريج.. ومن بين المفرج عنهم ابن أحد الوزراء ورئيس بلدية الفاتح في اسطنبول ومعظم رجال الأعمال.. العملية التي قام بها تنظيم سري داخل الدولة شملت ثلاث قضايا قضيتي فساد مالي ورشاوى عادية تحدث في أيّ بلد ومعظم من اعتقلوا في هاتين القضيتين تم الإفراج عنهم.

بينما القضية الأهم والتي تشكل قلب هذه العملية الخطيرة هي قضية “بنك خلق” أو الشعب الحكومي الذي يعدّ أهم بنك حكومي، وهو البنك المسؤول عن تدوير أموال البترول الإيراني في العالم كله، وكذلك البنك الذي سيتم عقد صفقات بيع وشراء بترول شمال العراق من خلاله.. ويرى الخبراء أن الهدف الأساسي من العملية هو ضرب سمعة هذا البنك وتطبيق حظر دولي عليه، بكشف العديد من الملفات السرية التي دارت فيه مما يمنعه من الاستمرار في عمله المذكور.. وللعلم فقد طالبت الولايات المتحدة الأمريكية واللوبي الصهيوني هذا البنك بوقف تعامله مع إيران والإرهاب، كما يسمونه ولكن وزير الاقتصاد الذي اعتقل ابنه في القضية رفض الطلب مرتين.

خامساً: أسباب التصعيد بين حكومة أردوغان والجماعة:

تصاعد الخلاف بين حزب العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان من جهة، وجماعة ما يسمى بـ”الخدمة” التابعة لفتح الله كولن في الأيام الأخيرة بسبب القانون الذي أقرته الحكومة التركية بإلغاء قانون مراكز المذاكرة والامتحانات الخاصة، وتحويلها إلى مدارس تعليمية خاصة تعمل وفق المناهج التربوية الحكومية.

وبالرغم من تأكيد الحكومة التركية على أنها لا تعمل على إغلاق هذه المراكز وإنما تريد تحويلها إلى مدارس خاصة حتى تقدم فائدة أكبر للطلاب، فإن الجماعة، التي تمتلك ما لا يقل عن ربع عدد هذه المراكز في تركيا، ترفض هذا القرار بالكامل، وتصوره على أنه غلق لمؤسسات تعليمية ضخمة، ووصفه فتح الله كولن قائلا: “إنهم يريدون غلق أبواب الجنة”. وعلى الرغم من إدلاء فتح الله كولن بتصريحات مطولة حول هذا الملف، فإنه لم يقدم سبباً موضوعياً حول تمسك الجماعة بالصيغة الحالية لهذه المراكز، واستماتتها في رفض القانون الجديد، واكتفى بالحديث عن أن هذه المراكز هي ملك للأمة التركية، وأن الحكومة لا تمتلك حقّ غلقها، كما هاجم من سيعون إلى غلقها.

وتوجه فتح الله كولن إلى أنصاره وإلى كلّ أعضاء الجماعة داعياً إياهم إلى معارضة هذا القرار وإلى الاجتهاد في منعه، وطالبهم بالانحياز إلى “الحقّ والمنطق”، قائلاً: “عدم التشبث بالحقّ، هو انحياز للباطل”، مضيفاً: “لا تقفوا غير مبالين في وجه هذا المخطط الذي يهدف إلى غلق هذه المؤسسات، ستدافعون قطعاً على هذه المؤسسات، ستدافعون عنها بأخلاقكم التي نشأتم عليها”.

ويذكر أن أردوغان وحكومته تقدموا بذات القرار في سنة 2004 إلى رئيس الجمهورية السابق نجدت سيزار، غير أن المعارضة أقامت حملة شرسة ضدّه وقالت بأن هذا القرار سيؤدي إلى إجبار الدولة على دعم المراكز التابعة للجماعة حتى تتحول من مراكز مذاكرة، وإعداد للامتحانات إلى مدارس تعليمية خاصة، مما أدى إلى رفض القرار من قبل الرئيس التركي آن ذاك. ويذكر أيضاً أن الجماعة آن ذاك أشادت بالقرار وبجهود أردوغان ولم تعارض القانون بتاتاً، وهو الأمر الذي يجعل المتابعين لملف الخلاف القائم بين جماعة فتح الله كولن وحكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يرجعون التصعيد إلى أسباب أخرى.

كذلك يضاف سبب أخرى إلى تصاعد الخلاف بين الطرفين، حيث قامت صحيفة “طرف” المحسوبة على جماعة فتح الله كولن بنشر وثيقة قالت بأنها صادرة عن مجلس الأمن القومي، الذي كان يترأسه الرئيس التركي السابق نجدت سيزار، ويشارك فيه رجب طيب أردوغان، وذلك في سنة 2004، حيث توصي الوثيقة بالحدّ من أنشطة الجماعة وتعدّها تهديداً للأمن القومي التركي، وهو ما أثار ضجة إعلامية كبيرة تتهم أردوغان بالتواطؤ مع العسكر على الجماعة.

والردّ على هذه الوثيقة جاء خلال ساعات، على صحيفة “خبر 7″ المحسوبة على حزب العدالة والتنمية، حيث بدأ الكاتب بالقول: “وثيقة صحيفة طرف تشعرنا بأننا في حاجة إلى أن نراجع أنفسنا من أين أتينا وإلى أين وصلنا”، مؤكداً أن الوثيقة سليمة ولكنها قديمة، مشيراً إلى أن ذات الوثيقة نشرت منذ سنوات في نشرة داخلية لجماعة كولن، مؤكداً أن الجماعة استخدمت الوثيقة آن ذاك لتشير إلى الصعوبات التي يواجهها أردوغان وإلى “البطولات” التي خاضها في وجه العسكر للدفاع عن الجماعة.

ويقول الكاتب، بأنه وبرفقة عدد من أبرز الصحفيين الأتراك، من بينهم ممثل صحيفة “زمان” التابعة للجماعة، جلسوا مع أحد أعضاء مجلس الأمن القومي، الذين حضروا الاجتماع الذي قدمت فيه التوصية بالحدّ من نشاط الجماعة، ونقل عنه قوله: “خلال الاجتماع بدأ الجنرال شينار ارويجور بقراءة توصية أعدها هو ليقدمها للمجلس، أكد فيها ضرورة الحدّ من نشاط جماعة فتح الله كولن ووصفها بالمتشددة والظلامية” الأمر الذي ذكرته الجماعة في نشرتها الداخلية قبل سنوات وحاولت إخفاءه الآن، هو ما ذكره العضو السابق في المجلس قائلاً: “بينما كان الجميع يصغي إلى كلمة شينار، خرج صوت عالٍ يقول “اخرس يا هذا”، كان ذاك ردّ أردوغان على تصريحات الجنرال في ظلّ ذهول كلّ من حضروا الاجتماع من قيادات عسكرية ورئيس الجمهورية وقيادات أمنية رفيعة المستوى”.

الغريب في الأمر، هو أن الجماعة -كما كلّ المتابعين- تعلم جيداً أن أردوغان وقف سدّاً منيعاً أمام محاولات الإطاحة بالجماعة، والأغرب من ذلك هو أن الجماعة تعلم أن الجنرال الذي قدم تلك التوصية يقبع الآن في السجن بعد محاكمته بتهمة محاولة الانقلاب، والأشد غرابة من هذا كله، هو أن الجماعة وعلى لسان فتح الله كولن عارضت محاكمة هذا الجنرال وغيره من الجنرالات المتورطين في قضية أرغينيكون.

سادساً: محطات الصراع:

بعد قيام قوات الجيش الإسرائيلي بالهجوم على سفينة مرمرة التركية، المتجهة لكسر الحصار على قطاع غزة، وقتلها تسعة مواطنين أتراك، وفي حين قام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بطرد السفير الإسرائيلي في أنقرة وخطى خطوات جادة نحو قطع العلاقات التركية الإسرائيلية، صرح فتح الله كولن لصحيفة وال ستريت جنرال الأمريكية بأن الجانب التركي هو المخطئ لأن السفينة مرمرة لم تحصل على إذن إسرائيلي لدخول غزة، واصفا ذلك بالتعدي على الشرعية.

1. حاقان فيدان:

أول فصل في المواجهة بين الطرفين، حسب مراقبين، هو ملف رئيس الاستخبارات التركية (M.İ.T.) هاكان (حاقان) فيدان، المقرب من أردوغان، والذي استلم منصبه مباشرة بعد وقوع أحداث سفينة مرمرة، قام أردوغان بتعيين هاكان فيدان، الذي تصفه وسائل الإعلام بأنه رجل المهمات الصعبة، ورجل الظل وأكثر المقربين إلى أردوغان، على رأس جهاز الاستخبارات خلفاً لسلفه الذي كان متهماً بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي، “هاكان” خيب آمال الجماعة التي كانت تنتظر أن يساعدها في إحكام سيطرتها على الجهاز.

وفي شباط/ فبراير 2012، وخلال فترة نقاهة أردوغان من عملية جراحية، عصفت بالبلاد أزمة سياسية – حقوقية، حين استدعى المدعي العام الجمهوري رئيس جهاز الاستخبارات وبعض مساعديه للتحقيق، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجمهورية التركية، كمشتبه بهم بتهمة التخابر مع حزب العمال الكردستاني (P.K.K) الانفصالي (يعدّ في تركيا حركة إرهابية).

جاء ذلك إثر إفشاء خبر لقاءات عقدها رجال المخابرات مع قيادات الحزب في العاصمة النرويجية، فيما تبين لاحقاً أنه تهميد لـ”عملية السلام” الحالية مع الأكراد، وتردد حينها أن أعضاء في جماعة كولن كانوا وراء تسريب الخبر وتحريك الدعوى ضدّ فيدان. رفض الأخير المثول أمام المدعي العام، واضطرت الحكومة التركية لاستصدار قانون يحصن رئيس جهاز الاستخبارات من التحقيق معه إلا بموافقة خطية من رئيس الوزراء. هذه الحملة تزامنت مع حملات تحريضية ضدّ فيدان من بعض الصحف الغربية واتهام الموساد له بالتعاون والتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، مما أثار -ولا يزال- علامات استفهام حول أهداف وتوقيت هذه القضية التي أطلق عليها اسم “عملية أوسلو”.

2. مفاوضات السلام مع الأكراد:

خلال فترة خدمته في مكتب أحمد داوود في وزارة الخارجية، وكذلك بعد ترأسه لجهاز الاستخبارات التركي، أجرى هاكان فيدان مفاوضات سرية، في العاصمة النرويجية أوسلو، مع قيادات حزب العمال الكردستاني تهدف إلى إحلال السلام وإنهاء الصراع المسلح بين الدولة التركية والحزب الكردي، غير أن مدعين عامين ومسؤولين رفيعي المستوى، محسوبين على جماعة فتح الله كولن، قاموا بكشف هذه المفاوضات للعلن، وفتحوا تحقيقات في حقّ فيدان ووجهوا له تهماً بالتفاوض مع أعداء الوطن وتجاوز صلاحياته.

أردوغان تدخل بقوة في تلك الواقعة، وأنقذ فيدان من المحاكمة ومن إمكانية السجن، حيث أصدر تصريحات قاسية، قال فيها: “فيدان هو كاتم سري، وهو يتحرك بتعليمات مباشرة مني”، كما قام بتحصينه من المحاكمة إلا بإذن منه، وقام بعد ذلك بعزل عدد كبير من الأمنيين والمدعين العامين، وبنقل عدد آخر إلى خارج المحافظات الرئيسية، كان معظمهم محسوبين على جماعة فتح الله كولن.

3. محاكمة قادة الجيش:

على الرغم من أن قائد أركان الجيش السابق إيلكرباشبوغ، والذي قضت المحكمة بسجنه انفرادياً مدى الحياة بتهمة تزعم شبكة أرغينيكون السرية، والتآمر ووضع خطط لإثارة الفوضى وللإطاحة بالحكومة التركية، كان -باشبوغ- قد هاجم الجماعة مراراً، فإن فتح الله كولن صرح لصحيفة أمريكية، قبل المحاكمة، قائلاً: “لو كان الأمر بيدي لأطلقت سراحه”، متهماً أردوغان بتصفية الحسابات وبمحاولة “ضرب عصفورين بحجر واحد”، واصفاً ذلك بالنفاق.

4. أحداث “ميدان تقسيم”:

بعد اندلاع احتجاجات ميدان تقسيم في وسط مدينة اسطنبول، وبعد قيام المتظاهرين بغلق أكثر الميادين حيوية في تركيا، وأهمها بالنسبة لقطاع السياحة، وبينما كان أردوغان يتحدث عن مؤامرة دولية لإدخال تركيا في حالة من الفوضى والفراغ، ندد فتح الله كولن بوصف أردوغان للمتظاهرين بالفوضويين، وقامت وسائل الإعلام التابعة للجماعة بمهاجمة أردوغان وبالتنديد بطريقة تعامل حكومته مع أحداث جزي بارك.

لئن كان موضوع فيدان أول ميادين المواجهة، ونتج عنه تغيير أردوغان للعشرات من أفراد الجماعة في قيادات أجهزة الدولة المختلفة، فقد كانت أحداث حديقة “جزي” في ميدان “تقسيم” القشة التي قصمت ظهر العلاقة المتوترة بين الحزب الحاكم وظهيره الشعبي القوي. فبالرغم من عدم مشاركة الجماعة بأفرادها في الاحتجاجات التي اكتست ثوب العنف سريعاً، إلا أن وسائل الإعلام المرتبطة بها حاولت النيل من أردوغان واتهامه بالتسلط والدكتاتورية وسوء إدارة الأزمة، في مقابل تلميع نائبه في الحزب والحكومة “بولنت أرينتش” الذي يشاع أنه على صلة طيبة جداً بها.

لاحقاً وبعد انتهاء الاحتجاجات وهدوء الشارع، فجر الإعلامي المخضرم والمقرب من الحكومة عبد الرحمن ديليباق قنبلة إعلامية حين أعلن عن امتلاكه تسجيلات تؤكد اتفاق الجماعة مع حزبي المعارضة الرئيسين حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية على إثارة أعمال شغب للنيل من شعبية الحزب الحاكم، ثم التحالف انتخابياً لإسقاطه في الانتخابات البلدية القادمة.

5. السكن الجامعي المختلط:

مرة أخرى، قامت وسائل إعلام تابعة لجماعة فتح الله كولن بكشف أسرار أردوغان، حيث قامت صحيفة زمان التابعة لكولن بنشر تفاصيل اجتماع داخلي مغلق لحكومة أردوغان، أعرب خلاله أردوغان عن انزعاجه من السكن الجامعي المختلط وعن رغبته في منع السكنات الجامعية المختلطة، وهو الأمر الذي أثار ضجة كبيرة في تركيا، ونتج عنه خلاف حاد بين أردوغان وأقرب مستشاريه، بولنت أرينتش.

سابعاً: خارطة القوى التي تدفع بجماعة كولن للتصادم بأردوغان:

“متين كولنك” النائب عن حزب العدالة والتنمية عن مدينة اسطنبول، اتهم حزب الشعب الجمهوري بالتآمر وبتوظيف أجهزة الدولة لتوجيه ضربات للحكومة بغاية إضعافها في الانتخابات القادمة، البلدية والبرلمانية والرئاسية، واصفاً ما حدث بأنه امتداد لأحداث ميدان تقسيم في الصيف الماضي، مؤكداً أن نفس العقل الذي دبر لتلك الأحداث، وحاول من خلالها الانقلاب على “إرادة الشعب”، هو نفسه من أدار تحقيقات قضية الفساد الأخيرة ووظفها سياسياً لضرب الحكومة.

وعلق كولنك على زيارة رئيس حزب الشعب الجمهوري الأخيرة لأمريكا، والتي التقى خلالها بشخصيات أمريكية كثيرة وكذلك بشخصيات نافذة في جماعة فتح الله كولن، قائلاً: “ذهبتم للبحث عن الشرعية في شوارع واشنطن، ذهبتم إلى أمريكا للتحالف مع بارونات المال”، مضيفاً: “رئيسكم ذهب اليوم لزيارة السفير الأمريكي في سفارته، ألا تخجلون من هذا؟ السفير يأتي إلينا ليلتقينا، نحن في بلدنا ولا نذهب للسفارات لنلتقي السفراء”!

وإن كان كلام متين كولنك يؤكد تصريحات بولنت أرينتش، مساعد رئيس الوزراء، التي قال فيها بأنه لا يمكن القول بأن جماعة فتح الله كولن تقف خلف الضربة التي وجهت للحكومة، فإن هناك تحليلات أخرى تقول بأن الجماعة تقف أمام هذه الضربة وليس خلفها، وبأن الجماعة تستخدم الآن من قبل لوبيات وقوى داخلية وخارجية بهدف إسقاط، أو إضعاف الحكومة، والتخلص خاصة من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

أكثر التساؤلات المطروحة عربياً حول ما يحدث في تركيا في الأيام الأخيرة، وحول ما يسمى بصراع أردوغان – كولن، تدور حول مآلات هذا الصراع وإلى من سترجح الكفة، وإن كان التوقع في السياسة مستحيلاً، فإن التأمل في خطاب أردوغان الذي قال فيه “سنكسر الأيادي التي تحاول المساس باستقلاليتنا”، وختمه بالقول: “انتظروا منا الكثير”، ومقارنته بالدعاء الهستيري الذي أطلقه فتح الله كولن، كافٍ لتقدير مدى سلامة مواضع الأقدام لدى الطرفين.

وتطرح كذلك تساؤلات كثيرة حول الأسباب التي تدفع الجماعة “الإسلامية” إلى التصادم مع حكومة أردوغان، وهو ما يمكن التخمين فيه بأن الجماعة لم تختر المواجهة مع أردوغان، وإنما من اختار المواجهة، ودفع بالجماعة لتكون واجهة، هي قوى داخلية وخارجية لا تقبل بالدور الإقليمي الذي تقوم به تركيا، ولا تريد السماح لتركيا بالمضي في طريقها الحالي، وهو ما أشار إليه أردوغان في خطاباته الأخيرة.

وعبر تاريخها، ومنذ الستينات، كانت الجماعة منحازة دائماً للمنقلبين، وبينما يدعو فتح الله كولن اليوم أنصاره لبذل كل السبل لمنع الحكومة من إغلاق مراكز التدريس الخاصة بالجماعة، فإنه قد عرض على انقلابيين سابقاً أن يسلم المراكز طواعية للدولة، ووضع يده في يدي من منعوا الحجاب وحاربوا الإسلام، وكما رضخت الجماعة للانقلابيين في السابق فإنها ترضخ اليوم وتتقدم لتقود حربا لا مصلحة لها فيها.

1. مجموعة كوتش:

عبر العقود التي سبقت وصول أردوغان إلى الحكم، تحكمت في دنيا الإعلام والسياسة والمال بشكل كبير ثلاثة أسماء، خسر أولها المعركة في وجه حكومة أردوغان وهو مقيم الآن في فرنسا ومحكوم عليه غيابيا بالسجن لمدة 23 سنة، وهو جيم أوزان، وأما الثاني، وهو إمبراطور الإعلام التركي، آيدين دوغان، فقد نجحت حكومة العدالة والتنمية في إضعافه عبر إجباره على تسديد ديونه للدولة ودفعه إلى بيع عدد من مؤسساته الإعلامية والتحقيق معه في تهم التورط في الدعوة إلى الانقلابات ودعمها.

وأما الاسم الثالث، فيتعلق بأثرى العائلات التركية، والتي تعمل في كل قطاعات الاقتصاد التركي، من التغذية وصولاً إلى الصناعات العسكرية، وهي عائلة كوتش ورئيس المجموعة الحالي مصطفى كوتش، والذي بدأت المواجهة العلنية بينه وبين حكومة أردوغان عندما اتهمه مقربون من الحكومة بدعم أحداث ميدان تقسيم (جِزي بارك) في الصيف الماضي، عبر التمويل وعبر التحريض على ذلك في “جامعة كوتش” الخاصة المملوكة للمجموعة، والتي أرسل عميدها رسالة إلى كلّ الطلاب قال فيها بأنه سيتيح لكل الطلاب المتغيبين عن الامتحانات إعادة الامتحان في وقت لاحق، وقد علق أردوغان بنفسه على هذه الرسالة في تلك الأيام.

وقبل ثلاثة أشهر، أعلن عن اجتماع رباعي حضره رئيس الجمهورية الأسبق سليمان ديميرال، والذي شغل منصب رئيس الوزراء سبع مرات خلال عقود الانقلابات العسكرية في تركيا، وحضره أيضاً رحمي كوتش، وهو والد مصطفى كوتش، والرئيس السابق لمجموعة كوتش، وكذلك تايلان بيلغان عضو مجلس إدارة مجموعة دوغان المملوكة لآيدين دوغان، حيث أجمع المعلقون على هذا الاجتماع على أنه انتهى إلى اختيار الشخص الرابع وهو مصطفى ساري غول، ليكون رجل المرحلة القادمة، وممثل حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية اسطنبول أولا، ولرئاسة الوزراء ثانياً.

2. حزب الشعب الجمهوري:

كما كان متوقعاً، وعملاً بالعرف السياسي القائل بأن الطريق إلى قصر الحكومة في تركيا يبدأ من رئاسة بلدية اسطنبول، أعلن حزب الشعب الجمهوري أن مرشحه في الانتخابات البلدية القادمة، والتي ستعقد في 30 آذار/ مارس 2014، سيكون السياسي الشهير مصطفى ساري غول.

واللافت للأنظار، هو أن ساري غول وبعد زيارة وفد عن حزب الشعب الجمهوري إلى أمريكا ولقائه بعدد من الشخصيات النافذة داخل جماعة فتح الله كولن، أبدى في خطاباته شيئاً من التودد للجماعة، فبعد أن كانت الجماعات الإسلامية تمثل الخطر الأكبر على تركيا، منذ تأسيس الحزب ذي التوجهات العلمانية الراديكالية، أصبح ساري غول، وهو الرجل الثاني في الحزب، يدافع عن مواقف الجماعة وعن مراكز التدريس التابعة لها، ويصفها بأنها مهمة للحفاظ على المعتقدات الدينية!

وقبل ساعات من اختيار ساري غول مرشحاً لحزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البلدية القادمة، قالت الإعلامية التركية الشهيرة، سيفيلاي يوكسالير، أن ساري غول أخبرها بنفسه أنه عقد اتفاقاً مع جماعة كولن وأن الجماعة تدعمه وستدعمه في الانتخابات القادمة، مضيفة: “إذا كنت كاذبة فليخرج ويكذبني، لماذا يخجل من قول الحقيقة؟”، مؤكدة كلامها: “ساري غول يمثل مشروعاً، وتقف خلف هذا المشروع مجموعة كوتش وجماعة كولن ولوبيات في الولايات المتحدة الأمريكية”.

3. المحافظون الجدد في أمريكا:

خلال زيارته الأولى لأمريكا منذ توليه رئاسة حزب الشعب الجمهوري، وخلال افتتاحه لمقر الحزب في واشنطن، قبل أسابيع، قال كمال كيليتشار أوغلو: “سنأتي كثيراً لأمريكا في المرحلة القادمة”، وهي الكلمة التي دفعت أقلاماً كثيرة للحديث عن مخطط أمريكي للإطاحة بحكومة رجب طيب أردوغان، وعن انزعاج أمريكي وغربي من حجم تركيا الإقليمي المتنامي وعن مخاوف دولية من أن تصبح اسطنبول مدينة عالمية تنافس عواصم أخرى مثل لندن ونيويورك من حيث الثقل السياسي، والاقتصادي وتفوقهم بموقعها الجغرافي وإرثها الحضاري.

والمحافظون الجدد هم حَمَلَة مشروع القرن الأمريكي الجديد، وورثة الليبرالية الستراوسية أو المحافظين ذوي التوجه اليميني المتدين، ولكن بنَفَس ليبرالي، ويسيطر هذا التحالف بشكل كبير على وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية، وعلى لوبيات اقتصادية ضخمة، ويحظى كذلك بنفوذ سياسي كبير داخل أمريكا وخارجها.

ويرى محللون، من بينهم الإعلامية سيفيلاي يوكسالير، أن تحالف المحافظين الجدد مع حزب الشعب الجمهوري وجماعة فتح الله كولن يهدف بالأساس وتحديداً إلى الإطاحة بشخص رجب طيب أردوغان وبرئيس جهاز الاستخبارات التركية، هاكان فيدان، والذين أبديا عناداً كبيراً في تعاملهم مع القوى الدولية، سواء من خلال مواقف أردوغان من القضايا الإقليمية، أو تحركات هاكان فيدان التي أخرج من خلالها جهاز الاستخبارات التركية من تحت عباءة الموساد الإسرائيلي.

وفي السنة الأخيرة استخدم الإعلام الأمريكي وحلفاؤه بقوة لتنفيذ هذه الغاية، سواء من خلال التركيز على استخدام مصطلح “السلطان أردوغان”، و”حلم أردوغان بإقامة الخلافة”، أو من خلال التغطية المكثفة لأحداث تقسيم في الصيف الماضي، بالإضافة إلى تقارير كانت تنشر بصفة روتينية، كان آخرها يتهم هاكان فيدان بتسليم إيران معلومات استخبارية عن عملاء للموساد الإسرائيلي مما أدى إلى اعتقالهم هناك.

4. ما خلف قضية الفساد المالي:

بالإضافة إلى المصلحة الانتخابية التي حققها حزب الشعبي الجمهوري، والمعنوية التي حققتها الجماعة، حققت أمريكا أهم أهدافها من خلال ضرب رجل الأعمال التركي الإيراني الأصل، رضا زراب، والذي كان وسيطاً ما بين الحكومة التركية والإيرانية، فبسبب العقوبات المفروضة على إيران، ومنع تركيا من دفع ثمن النفط الإيراني عبر الطرق التقليدية، قامت الحكومة التركية طيلة السنوات الماضية بإيداع أثمان النفط المستورد من إيران في حسابات بنكية إيرانية في تركيا، لتقوم إيران فيما بعد بشراء الذهب من تركيا من عند رضا زراب وغيره من رجال الأعمال المقربين منها في تركيا عبر تلك الأموال.

وفي حديث له مع الصحافة مباشرة بعد إخلاء سبيله، نفى زراب التهم الموجهة له وقال: “أنا أقوم يومياً باستيراد وتصدير طن من الذهب، بصفة قانونية، ولا ضرائب تفرض على تجارة الذهب في تركيا، فلماذا أقدم رشوة؟”، ثمّ أضاف: “ذات مرة علقت شحنة ذهب قادمة من إفريقيا بسبب نقص في الأوراق القادمة من عند البائع الإفريقي، وعندما حاولت معالجة الأمر ابتزني مساعد مدير بجهاز الأمن وطلب مني رشوة بمليون دولار ونصف، وقد رفعت الشكوى وتسجيلات الصوت لوزير الداخلية”.

وأضاف رضا زراب، “بعد فترة اتصل بي صحفي وقال لي بأن لديه ملفاً عن تهم بالفساد موجهة لي، فحولته إلى أحد المحامين العاملين معي، فإذا به يبتزني ويطلب مني مليون دولار مقابل عدم نشر تلك الملفات، وكلّ هذا مسجل عندي، وقد أخبرت قاضي التحقيق بأن بإمكاني إعطاؤه تسجيلات هذه المكالمات”، مع العلم بأن زراب قام في الأيام الأخيرة بنشر بعض هذه التسجيلات على موقع يوتيوب، وقال زراب: “لقد قدمت كل هذه المعلومات لوزير الداخلية منذ أشهر، وبدأت في تقديم شكوى ضدّ مساعد مدير الأمن وضد الصحفي الذي ابتزني، ولكن الغريب أنهم هم يحاكمونني اليوم!.

ومن جهة أخرى حققت أمريكا أو المحافظون الجدد في أمريكا مصلحة اقتصادية أخرى، من خلال ضرب مؤسسة “هالك بنك” والذي اتهم رئيسه بالفساد، حيث كان هذا البنك يمثل شريان الحياة بالنسبة للعلاقات الاقتصادية التركية الإيرانية، وفي حال نجاح هذه الضربة في ردع البنك عن تعامله مع الإيرانيين، فإن أمريكا ستنجح في تضييق الحصار على إيران وإبقاء كل مفاتيح رفع الحصار حصريا بين أيديها (تقريباً).

ثامناً: تدابير الحزب والحكومة:

1. كتل انتخابية جديدة:

يوما بعد يوم يتبين أن حزب العدالة والتنمية كان يعد منذ سنوات لهذه المواجهة، وكان في السنتين الأخيرتين يبحث عن كتل انتخابية جديدة تكون بديلاً للأصوات التي سيخسرها الحزب بسبب صراعه مع الجماعة ورفضه الخضوع لمطالبها. يذكر بأن إحصاءات أجراها حزب العدالة والتنمية أكدت أن نسبة الناخبين التابعين لجماعة فتح الله كولن من إجمالي الناخبين الأتراك لا تتجاوز 3 بالمائة، في حين تشير إحصاءات أخرى إلى أنها قد تصل إلى نسبة 8 بالمائة.

وفي السنة الأخيرة دفع أردوغان بقوة نحو الوصول إلى اتفاقية السلام، أو مشروع السلام الداخلي، والذي أنهى من خلاله صراعاً مسلحاً دام حوالي ربع قرن مع تنظيم حزب العمال الكردستاني المسلح، وألحقه بحزمة الإصلاحات الديموقراطية والتي استهدفت بشكل أساسي المواطنين الأتراك من أصول كردية، لتبلغ شعبية أردوغان ذروتها لدى أكراد تركيا والذين يقدر عددهم بما لا يقل عن 18 مليون نسمة مرتكزين بشكل أساسي في محافظات الجنوب الشرقي بالإضافة إلى تواجد كثيف في محافظة اسطنبول.

كذلك استهدف أردوغان بإصلاحاته الأخيرة أقليات عرقية أخرى في تركيا، مثل الأرمن والغجر والآشوريين والعرب والأذربيجانيين، والذين عانوا منذ تأسيس الدولة التركية من محاولات حكام تركيا القوميين الراديكاليين لطمس كلّ الهويات والثقافات واللغات غير التركية، لتكون حكومة أردوغان أول حكومة تفتتح معهداً خاصاً للدراسات الثقافية للمواطنين الأتراك من أصول غجرية، وأول حكومة تسمح رسمياً باستخدام الأسماء غير التركية في المؤسسات الحكومية وفي تسميات الشوارع، بالإضافة إلى استخدام كلّ اللغات في الحملات الانتخابية.

2. تفكيك شبكة أمنية:

شهدت وزارة الداخلية التركية في سلسلة تغييرات في عدد من المحافظات، بدأت بنقل مدراء أجهزة الأمن الخمس المسؤولة عن الاعتقالات، وتلاها قرار بنقل مدير أمن اسطنبول، الذي ادعى في البداية عدم علمه بالقضية، ليتبين لاحقاً أنه التقى قبل بضعة أيام بمدير جهاز الجريمة المالية ونسق معه كلّ تفاصيل العملية ورتب معه أيضاً إرسال فرقة أمنية إلى العاصمة أنقرة حتى تتولى تنفيذ الاعتقالات هناك دون إخبار المسؤولين الأمنيين في أنقرة، كما أنه تجاهل اتصالات والي اسطنبول صباح تنفيذ العملية.

ومدير أمن اسطنبول الجديد هو “سلامي آلطين أوق”، الذي عين في سنة 2012 والياً على محافظة آق سراي ذات النفس الإسلامي، وأصيل منطقة الشمال الشرقي لتركيا التي ينحدر منها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، وفور تعيينه قام بنقل 14 من مديري الأجهزة الأمنية بإسطنبول في انتظار أن يعلن لاحقاً عن أسماء المدراء الجدد الذين سيتم تعيينهم.

من جهة أخرى ذكرت صحف تركية أن أردوغان كلف رئيس جهاز الاستخبارات، هاكان فيدان، الذي يوصف بيد أردوغان القوية وبكاتم سره، بالتحقيق في ما حدث وبتفكيك الشبكة الأمنية التي أخفت قضية الفساد المالي عن المسؤولين والوزراء، وهو ما أطلقت عليه الصحف التركية “عملية تفكيك الدولة داخل الدولة”.

3. أردوغان يتوعد بالمزيد:

وأما أردوغان، وفي تصريحاته، كما في تغريداته على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالرغم من التزامه بانتظار حكم القضاء، فقد كان غضبه واضحاً وهو يصف ما حدث بـ”العملية القذرة” ويقول: “فليتوسلوا الطرق المنحرفة كما يريدون، فليعقدوا الاتفاقات القذرة كما يريدون، القرار في تركيا بيد الشعب، لن يخرجوا تركيا عن مسارها”.

ومن جانبه قال نائب رئيس الوزراء التركي “بولنت آرينتش” إن الحكومة لن تدافع عن أي شخص يثبت تورّطه في قضية الفساد وتلقي الرشاوى التي تجري النيابة العامة في إسطنبول تحقيقاً حولها، مهما كان منصبه حتى وإن كان وزيراً”، مؤكدا أن الحكومة “لن تتدخل مطلقاً في عمل النيابة والقضاء من أجل إظهار الحقيقة وكشف ملابسات هذه القضية الشائكة”، مشيراً إلى أن “الحكومة وقفت في الماضي وستقف اليوم في وجه الفاسدين ومستحلّي أموال الشعب”.

تاسعاً: تداعيات محتملة:

1. بقاء أردوغان:

أردوغان رئيسا للوزراء للمرة الرابعة.. غالباً.. بعد الأزمة التي حاولت تشويه حزب العدالة والتنمية من خلال عصابة تتبع جماعة فتح الله كولن في تركيا يعلن أن تنظيف الدولة من هذه العصابة دين في عنقه سيؤديه مهما كانت التبعات، وحتى لو اضطر لإلغاء قرار الحزب بعدم التمديد لأكثر من ثلاث جولات انتخابية للمناصب القيادية في الحزب في مناصبها في الدولة.. وهذا يعني أن احتمال بقاء أردوغان رئيساً للوزراء للدورة الرابعة أصبح احتمالاً كبيراً.. وهذا ما كانت قاعدة حزبية عريضة وشعبية واسعة تطالب به إلا أن أردوغان كان يصر على رفضه.

2. خيارات الانقلاب العسكري:

هناك عوامل عدة تحول دون حدوث هذا الانقلاب في تركيا:

‌أ. ‌أن كل الانقلابات السابقة في تركيا (دموية أو ما بعد حداثية) كانت تتم طبقاً للدستور، الذي كان ينص على أن من مهام القوات المسلحة الحفاظ على علمانية الدولة، فكانت تدخلات الجيش في الحياة السياسية تتم تحت هذا البند. تغيرت هذه المادة في الدستور مؤخراً وحصرت مهمة الجيش في دفع الأخطار الخارجية، مما يجعل أي تدخل (مهما كان) في الحياة السياسية جرماً يعاقب عليه القانون.

‌ب. ‌أن الجنرالات الذين قاموا بانقلابي عام 1980 وعام 1997 ما زالوا يحاكَمون حتى الآن أمام القضاء التركي، وهذا يضعف من موقفهم ويسيء إلى صورتهم أمام الشعب، ومن غير المتوقع أن يقوم الجيش بمغامرة أخرى حالياً. حيث، إذا كان من قاموا بانقلاب له سند دستوري يحاكَمون، فكيف بمن يقوم بتحرك خارج إطار الدستور؟!

‌ج. ‌أن الشعب التركي (وخصوصاً الحركة الإسلامية) تعود أن يقابل الانقلابات بسلبية تامة، دون معارضته أو النزول للشوارع لإسقاطه، محاولاً العمل من جديد سياسياً. لكن الشارع الإسلامي تحديداً أرسل عدة رسائل (عبر بعض الشخصيات الشابة والمؤسسات) أنه لن يقف مكتوف الأيدي إزاء أي مؤامرة على رئيس وزرائه وحكومته. ويبدو لي هنا أن الأحداث في مصر بعد الانقلاب، إضافة لكاريزما أردوغان والإنجازات التي حققتها حكومته (خاصة الحرية التي عاشها الإسلاميون في عهده) لعبت دوراً مهماً في هذه الرؤية وهذا الموقف.

‌د. ‌أن تركيا لم تعد دولة من دول العالم الثالث، نتكلم عن عضو الناتو والاقتصاد الـ 17 على العالم، وعضو “قيادة” مجموعة العشرين(G20)، والدولة الإقليمية القوية، الموجودة على حدود سورية (ساحة الصراع الدولية)، فليس من السهل أبداً ترتيب أي انقلاب فيها أو إحداث فوضى كبيرة تسقط الاقتصاد والدولة والسيطرة على الحدود.

‌ه. ‌بعد 11 عاماً من الحكم، ومع الكثير من التغييرات القانونية والمحاكمات للعسكريين والعلاقات مع القيادات العسكرية نستطيع أن نقول أن أردوغان (أو العدالة والتنمية أو الحكومة) له بعض الرجال أو التحالفات في قيادة الجيش، إضافة طبعاً لأغلبية ربما ضده. وهذا يعني أن ترتيب أي انقلاب لن يكون بسهولة الانقلابات السابقة، ولن تكون حساباته كما السابق. فعلى من سيرتب لانقلاب أن يحرص على سرية أكبر وأن يعمل حساب معارضة قيادات وقوات في الجيش ضده ومع الحكومة، وهذا أكبر خطر على أي انقلاب (انشقاق أو مواجهة).

‌و. ‌أن الانجازات السياسية والاقتصادية والقانونية التي قامت بها الحكومة على مدى 11 عاماً تعطيه رصيداً من الالتفاف الشعبي والمصداقية والتعاطف وتصديق مقاربته بخصوص مؤامرة دولية تتم بأيد داخلية.

‌ز. ‌أن الوضع الإقليمي الذي كان قد بدأ بالتشكل قد فشل في تثبيت أركانه. فشل الانقلاب في مصر في إحداث أي استقرار أو كسب أي مشروعية، وفوت التونسيون فرصة الانقلاب، وفي اليمن سار البلد نحو الاستقرار بعد حادثة محاولة الاغتيال التي يعتقد أنها كانت مقدمة لانقلاب. فإذا كانت الانقلابات قد فشلت في تلك الدول، فمن باب أولى أن يتم التفكير ملياً قبل أي خطوة متهورة في تركيا.

‌ح. ‌أن مؤسسات الدولة الأخرى ليست ضد الحكومة. فقائد جهاز المخابرات هو ذراع أردوغان الأيمن، والقيادات الأمنية تقال وتغير أمكنتها بسرعة منذ يوم الأزمة وقد وصل العدد إلى 700، ووسائل الإعلام منقسمة بين هنا وهناك (وربما الأغلب مع الحكومة)، والقضاء كذلك منقسم.

‌ط. ‌أن الوضع في تركيا يسير للهدوء السياسي والتحسن الاقتصادي وانتظار العملية القضائية، وليس للتوتر والاحتقان، وهذا يقلل من فرص ومخاطر أي تدخل للجيش في الحياة السياسية.

هنا يجب علينا أن نلحظ تحسن الليرة وهذا يعكس عودة الاستقرار السياسي والثقة في اقتصاد البلاد. فالحكومة قد انتقلت بسرعة وسلاسة من مربع الدفاع إلى مربع الهجوم. من ناحية أوقفت القضايا العشوائية (التي تهدف إلى التشويه والتشويش) دون الرجوع للقيادات، ومن ناحية أخرى قلمت أظافر “الهيئة العليا للقضاة والنواب العامين” وألزمتهم بعدم القيام بأي تصريح إلا عبر رئيس الهيئة وهو وزير العدل، ومن ناحية ثالثة كذبت بالوثائق الكثير من الإشاعات حولها، ومن ناحية رابعة كشفت مصداقية طرحها بخصوص “المؤامرة الاقتصادية” (انتقال صفقات نفط مع شمال العراق من بنك هالك إلى مصارف أمريكية، المصرف التركي القريب من الجماعة الذي جمع الدولارات من السوق قبل بدء القضايا مباشرة.. إلخ)، ومن ناحية أخرى ما زالت تعمل بهدوء على تغيير وإقالة القيادات الأمنية القريبة من الجماعة في معظم المحافظات التركية. ربما يكون الحديث كثر عن تدخل الحكومة في القضاء، لكنه أنهى تقريباً الحديث عن فساد الحكومة خصوصاً بعد إقالة الوزراء والتغيير الحكومي.

الخلاصة: لا جيش في الدنيا يؤمن جانبه، لكن كثيراً من العوامل الواقعية وقوية التأثير تمنع الجيش من القيام بهكذا مغامرة، إذا افترضنا أنه يريد أو يفكر في القيام بها.

عاشراً: سيناريوهات المستقبل:

بتقديرنا؛ فتركيا أمام أحد السيناريوهات التالية:

1. أن تكون قضايا الفساد التي أثيرت هي الوحيدة الموجودة بيد الجماعة (أو من خلفها، أو من أثارها)، وهنا أرى أن الموضوع في حكم المنتهي دون آثار كبيرة. إطلاق سراح رئيس بلدية الفاتح يعني عملياً سقوط القضية المرفوعة ضده (واحدة من ثلاثة)، وقضية المصرف الحكومي (halk bank) لا يبدو فيها آثار عملية فساد بقدر ما هي باحة خلفية (سرية) للتعاون الاقتصادي بين تركيا وإيران، وهذه إما أن تسقط أو تفشلها الحكومة حفاظاً على أسرارها الاقتصادية، وسمعة اقتصادها الوطني (اثنان من ثلاثة). تبقى شبه الفساد حول اثنين من أبناء الوزراء، وخطوة استقالة الوزراء المتهم أبناؤهم والتغيير الحكومي أظهر الحكومة بمظهر مشرف وعد انتصاراً للحزب الذي لا يقبل شبه الفساد.

2. أن تمتلك الجماعة (أو من خلفها) ملفات فساد أخرى قد تطال شخصيات أكثر عدداً وأكبر وزناً في الحكومة أو الحزب الحاكم، وهنا ستكون النتائج مرتبطة بشكل كبير بتفاصيل الملفات أكثر من عناوينها. فأغلبية الشعب تدرك أن الحكومة قد تشمل على شيء من الفساد لكنهم متأكدون أن القضية الآن ليست جنائية بقدر ما هي سياسية – إعلامية، ولذلك لا أرى تأثيراً كبيراً على حظوظ العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة إلا بقضية فساد كبيرة تطال مراتب عليا في الحكومة أو الحزب الحاكم، وهذا قد يبدو صعباً، سيما مع سيطرة حكومة على أجهزة الأمن بشكل كبير، وتصرفها الهادئ المطمئن نوعاً ما والذي يشي بشيء من الثقة بما عندها.

3. الفوضى: فقد فشل سيناريو الضغط الشعبي في أحدث “جزي بارك”، فإذا ما فشل سيناريو الضغط الإعلامي-السياسي من خلال الفضائح المالية، قد يلجأ الحلف المواجه للعدالة والتنمية لسيناريو فوضى الشارع بطريقة تفوق أحدث “تقسيم” قبل أشهر، ربما يمهد لها بعدة عمليات اغتيال من الحكومة أو المعارضة، ولهذا السيناريو تاريخ ضارب في الجذور وملازم لكل الانقلابات العسكرية السابقة في البلاد. مثلاً، البارحة وجد أحد مدراء الشرطة ميتاً في سيارته، ونظمت مظاهرة قليلة العدد ضد الحكومة فرقتها الشرطة. لا أقول أن هذه الأحداث مخيفة، لكنها قد تكون مقدمات لشيء ما أكبر.

السؤال الآن، أي هذه السيناريوهات يبدو أوفر حظاً وأعلى احتمالاً؟
لا أدعي أنني أملك الإجابة على هذا السؤال، ولا أحد يستطيع ادعاء ذلك. لكن الأحداث التي تلت البداية الكرنفالية الصادمة في الاعتقالات والتسريبات تقول أن الحكومة واثقة من نفسها أكثر، ودعاء كولن بتلك الطريقة المستفَزة يشير إلى تلقي جماعته ضربات مؤلمة في تغييرات أجهزة الأمن، وثبات المشهد حتى الآن قد يوحي بعدم وجود ملفات أخرى قد تخلط المشهد من جديد. أرى أن السيناريو الأول أكثر واقعية بناءً على الوقائع والقرائن التي نملك اليوم.

المتوقع من وجهة نظر حزب العدالة؛ وتخوفاتهم:

1. ‌هناك انقسام داخلي في داخل الجماعة بين الراديكاليين اتباع سعيد النورسي وبين اللبراليين ان صح إطلاق التعبير عليهم بقيادة كولن فهل سوف يأتمرون بأمره في الانتخابات القادمة ام انهم سوف يقفون مع العدالة لأنه في النهاية حزب إسلامي في مواجهة العلمانية؟ العدالة يراهنون على الانقسام داخل الجماعة.

2. ‌استبعاد تحالف بين القواعد الجماهيرية العلمانية وجماعة فتح الله كولن لأن الطرف الآخر أيضاً متطرف في علمانيته ولن يسمح له تاريخه العلماني التحالف مع جماعة اسلامية حتى لو كانت “متحالفة” معهم.

3. ‌يتوقع الحزب الاكتساح في الانتخابات القادمة.

4. ‌يستبعد الانقلابات العسكرية لأسباب ذكرناها سابقاً وهي الاصلاحات والمحاكمات والمحاكم الدستورية.. وأيضاً التيار الموالي داخل القضاء لن يسمح بمثل هذا السيناريو.

تخوفات الحزب:

1. ‌ليس للحزب بنية تنظمية.

2. ‌ليس له قاعدة اقتصادية موالية كبيرة.

3. ‌الحزب ليس راسخاً بشكل كبير في الذهنية التركية التي تعرضت الى النحت على مدى أكثر من مئة عام وشحن العداء لكل ثقافة المشرق العربي والإسلامي.

تعليقات

تعليقات

ربما أيضا تريد مشاهدة...

0 تعليقات على “محطات لأهم الأحداث الأخيرة على الساحة التركية”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

التاريخ الهجري

صوتك يهمنا

مارأيك في المواقف السياسية للحزب

النتائج

Loading ... Loading ...

SoundCloud

الأرشيف

تصنيفات