أيار 1948- أيار 2000 جدلية النكبة والمقاومة

Capture

معن بشور
15/5/2014
لم تكن الأعوام الستة والستون التي عاشها الكيان الصهيوني منذ قيامه، ونيله الاعتراف السريع من الدول الكبرى، كافية لكي ينجح هذا الكيان بإقناع مواطنيه بأنه كيان راسخ ثابت قادر على البقاء مقبول من محيطه، فالشباب الإسرائيلي يفكر في الهجرة المضادة بنسب عالية، و”المتدينون” يتهربون من الخدمة الإلزامية، والمتطرفون يقودون الدولة والمجتمع في تأكيد لمقولة شهيرة في علم النفس بأن “انعدام التوازن النفسي والعقلي هو أقصر الطرق إلى التطرف”.
ولم تكن هذه الأعوام الإسرائيلية الستة والستون كافية لإقناع العالم الاستعماري بأن هذا الكيان الذي احتضنه، ورعاه، بعد أن أفتى بقيامه، وقدّم له كل أنواع الدعم، نجح في أن يكون قاعدة متقدمة ناجحة لحماية مصالحه، فإذا “بالحارس” المفترض يحتاج إلى حراسة، وإذا “بالسند” الاستراتيجي للمشروع الاستعماري الغربي بنسختيه الانكلو – فرنسية، والانكلو – اميركية، يتحول إلى عبء استراتيجي على مصالح هذا الغرب، كما اعترف بذلك أكبر جنرالات البنتاغون الأمريكي في شهاداتهم أمام لجان الكونغرس قبل أشهر.
كما لم تكن كل هذه الأعوام كافية، بكل ما رافقها من حروب واعتداءات، ومن اتفاقات وتسويات، من حصار ومستوطنات، من جدار عنصري وتهويد للمقدسات، من اعتقالات واغتيالات، من صراعات وانقسامات، لكي يرفع الشعب الفلسطيني، ومعه أبناء أمته، الأعلام البيضاء معلناٍ الإذعان لمشيئة الأعداء وداعميهم، بل واصل الفلسطينيون ومعهم أبناء الأمة وأحرار العالم الكفاح بكل مستوياته، والمقاومة بشتى أشكالها، والانتفاضات على أنواعها، وبدا للعالم كله وكأن شعب فلسطين في واد، والمفاوضات والتسويات في واد آخر…
وبفضل نجاح هذا الكفاح والمقاومة والانتفاضة، أخذت الأقنعة الواحدة تلو الأخرى تنهار عن وجه هذا الكيان، “فواحة” الديمقراطية في صحراء الاستبداد العربي تحولت إلى اكبر معسكر اعتقال وتعذيب لشعب بأسره، وإذا بمن يستدر عطف العالم باعتبار “ضحية” للنازية ومحارقها، يغذي وجوده بمحارق يرتكبها باستمرار ضد الفلسطينيين وأشقائهم، محرقة تلو الأخرى، ومجزرة تلو الأخرى، وإذا بالتحالف السري القديم بين الصهيونية والنازية، ينكشف بوضوح في أوكرانيا حيث يتباهى الصهاينة بدورهم في الانقلاب الذي قاده النازيون الجدد في كييف…
وبفضل روح الكفاح والمقاومة والانتفاضة، بدأ المخدوعون بدعاوى الحركة الصهيونية في كل أنحاء العالم، لا سيّما من شرائح واسعة من الغرب الأوروبي والأمريكي، يكتشفون حقيقة هذا الكيان الذي أنشئ يوماً بقرار دولي ولكنه أصبح الكيان الأكثر انتهاكاً للمواثيق والقرارات الدولية على مدى سنوات عمره، وان هذا الكيان الذي قدّم نفسه كنقيض للعنصرية يقدم اخطر أشكال التمييز العنصري وصولاً إلى مطالبته باعتراف الفلسطينيين به كدولة يهودية.
وبفضل روح الكفاح والمقاومة والانتفاضة، بدأت قدرات هذا الكيان العسكرية تهتز، وهيمنته الإستراتيجية تتراجع، ونفوذه السياسي يتآكل، وعاد البحث الجدي والعميق في كل خلايا مجتمعه ومؤتمراته الأمنية في مصير الكيان نفسه وقدرته على الصمود بعد ان مرّت به فترة ، خصوصاً بعد حزيران 1967،كان يعربد فيها في كل سماء عربية، وفوق كل ارض عربية، وقبالة كل شاطئ عربي حتى سألنا يوماً “هل بات البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسرائيلية”؟!
وبدلاً من أن نسمع تهديدات كان يطلقها العدو تطال الإقليم كله، وتسعى لجر حلفائها الأقربين إلى حرب ضد إيران في العقد الثاني من هذا القرن، كما نجحت في استدراجهم إلى حرب ضد العراق في العقد الأول من القرن الحالي، بدأنا نسمع تحذيرات إسرائيلية خافتة تنبه إلى مخاطر اختراق رجال المقاومة لجبهتي الشمال مع لبنان وسوريا، والجنوب مع قطاع غزة، والى خطر انطلاق انتفاضة ثالثة في القدس والضفة، وبدأت دوريات العدو تبحث عن أنفاق يقيمها المقاومون على طول الحدود في الشمال والجنوب، يمكن أن تحمل يوماً أعداداٍ من المقاومين الأشداء إلى داخل المستعمرات الصهيونية.
وبدت فلسطين والأمة والإقليم برمته أمام معادلة جديدة: كيان مأزوم محكوم بالانكفاء والتراجع، ومقاومة متنامية مؤهلة للنصر والتحرير.
لقد قامت هذه المعادلة بفعل منعطف خطير شهدته المنطقة في 25 أيار/مايو 2000، حيث أمكن القول أن ما بعد هذا اليوم هو غير ما قبله، وحيث أدرك كثيرون أن خيار المقاومة وسلاحها ونهجها وثقافتها وهو الخيار الأقدر والأفعل على تحويل الهزائم إلى انتصارات، وأيام النكبة إلى مواسم للتحرير.
بعد 25 أيار 2000 قامت الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي ما زالت مستمرة بشكل أو بآخر، فأندحر الاحتلال عن غزة، وعجز متطرفوه عن اقتحام الأقصى وتدنيسه كما سائر المقدسات المسيحية والإسلامية، وتحول جدار الفصل العنصري إلى لوحة صمود يجتمع حولها فلسطينيون ومتضامنون أجانب ليتلوا فعل إدانة الكيان الإرهابي، وتحول ألاف أسرى الحرية في سجون الاحتلال إلى عناوين لحكايات تسمعها الشعوب عن “الضحية” التي باتت جلاداً، وتنكشف معهم ازدواجية المعايير لدى مؤسسات المجتمع الدولي والكثير من منظمات حقوق الإنسان.
بل أصبحت متضامنة أمريكية شهيدة وشهيرة راشيل كوري رمزاً لهذا التحول الشعبي الدولي المتعاظم ضد الممارسات الصهيونية، وبتنا نسمع مسؤولاً أمريكياً كبيراً كجون كيري يلوح بمخاطر المقاطعة إذا استمر “التعنت” الصهيوني، كما نسمع احد دهاقنة الصهاينة “شمعون بيريز” يتحدث قبل أيام عن تعطيل نتنياهو لفرصة عقد تسوية تاريخية مع الفلسطينيين وهي فرصة قال آخرون أن صهيونياً بارزاً أخراً كإسحاق رابين دفع حياته بسببها وبسبب الوديعة الشهيرة باسمه.
بعد 25 أيار 2000، سقطت جدران الخوف من أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية، إذ كيف يخاف شعب ينتمي إلى أمة أنجبت مقاومات بحجم مقاومة لبنان وفلسطين والعراق، بل أنجبت مقاومة جمّدت اندفاع المشروع الصهيو – أطلسي على جبروته في العراق، وهزمت المشروع الصهيو – أمريكي بكل غطرسته في لبنان وفلسطين، وبدأت مع شعب سوريا وجيشها وقيادتها برسم ملامح معادلة إقليمية كونية على الأرض السورية….
قد يقول قائل: من أين أتيت بكل هذا التفاؤل وكل ما حولنا من قتل ودمار، واحتراب وانقسام، وعصبيات وغرائز يشي بعكس ذلك…
والجواب بسيط: ألم تخرج من رحم أبشع الحروب اللبنانية عام 1982، واحدة من أعظم مقاومات العصر، فهزمت المحتل، وصدت العدوان، وأقامت توازناً للردع مع “القوة التي لا تقهر”، وفتحت الأبواب واسعة لتحرير فلسطين التي أضاعها يوماً تواطؤ النظام الرسمي العربي مع المشروع الاستعماري الغربي، ثم ألا تقرؤون جيداً ما يجري من حولكم من تحولات.
بين 15 أيار 1948 و 25 أيار 2000، نقرأ جدلية النكبة والمقاومة، جدلية الهزيمة والانتصار، جدلية الاحتلال والتحرير، جدلية الانقسام والوحدة.
بين 15 أيار 1948 و 25 أيار 2000، ندرك جيداً أننا لن نعود إلى فلسطين حتى تعود فلسطين إلينا مخترقة حواجز أقامتها حدود وسدود، ومساومات وتسويات، وحروب وانقسامات، عصبيات وغرائز، أنظمة وسجون.

تعليقات

تعليقات

ربما أيضا تريد مشاهدة...

0 تعليقات على “أيار 1948- أيار 2000 جدلية النكبة والمقاومة”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

التاريخ الهجري

صوتك يهمنا

مارأيك في المواقف السياسية للحزب

النتائج

Loading ... Loading ...

SoundCloud

الأرشيف

تصنيفات