التذكرة الحادية عشر: كف الأذى عبادة و صدقة

نفحات رمضانية

تذاكرنا فيما سبق حول يسر الدين و سهولة الالتزام بأحكامه و تمثل أخلاقه، و لعل سائلا يشكو ضعفا و عجزا عن العطاء فيسأل: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ فيتلقى جوابا من المصطفى -صلى الله عليه و سلم-: “تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك” (متفق عليه)، و بعرفه الحبيب أن “المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده”.
إن الحد الادنى في شخصية المسلم سلامة صدر تحجز صاحبها عن إلحاق الضرر بغيره، و و ذلك لأن إيذاء الخلق كاشف -و لا ريب- عن فساد طوية و خبث نفس، و قد يتجلى ذلك في كبر حذر منه النبي -عليه الصلاة و السلام-: “إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد”.
و لما كانت النجاة يوم القيامة منوطة ب: “إلا من أتى الله بقلب سليم” من الشرك أولا و من أمراض و علل أخرى، كان مصير أولائك الذين تحركهم الاحقاد و تدفعهم لإلحاق الضرر بالغير مصيرا مشؤوما و خسرانا كبيرا، فذلك هو الشر المستطير و الإثم المبين كما توعد المولى سبحانه: “و الذين يوذون المومنين و المومنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا”.
و حتى لا يستصغرن أحد هذا الامر فلينتبه إلى أنه يمحق العبادات كما أخبرنا النبي -عليه السلام عن المفلس: “إن المفلس من أمتي من ياتي يوم القيامة بصلاة و صيام و زكاة و يأتي و قد شتم هذا و قذف هذا وأكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، و هذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار”، و لذلك لما ذكرت امراة بصلاتها و صومها عند رسول الله -صلى اله عليه و سلم- و لكنها تؤذي جيرانها قال: “هي في النار”، بل لقد “دخلت امراة النار في هرة حبستها فلم تطعمها و لم تدعها تاكل من خشاش الارض”، و هذه كلها نماذج لمن ” لا خير فيه” بالتعبير النبوي دلالة على سوء السريرة، و عدم وجود ما يهيء للخير لدى المعني.
و فضلا عن ذلك فمن مفاسد الأذى أنه يمحق الصدقات: “يا أيها الذين أمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الاذى..”
و لذلك كان النبي -عليه السلام- واضحا في كون مثل هذه الاعمال لا تصدر البتة عن نفس مومنة، متوعدا أصحابها بجزاء إلهي من جنس اعمالهم: “يا معشر من آمن بلسانه و لم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، و لا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، و من يتبع الله عورته يفضحه في بيته”.
إن الكيس الفطن يباعد نفسه عن صور الأذى كلها على تعددها، حتى يتقي غضب الله و عقابه، و يحذر كل الحذر من التبرير بحسن النية و عدم وجود قصد الاذى أو كونها صغيرا قليل الأثر أو الرغبة في المزاح “البريء”، و ليعتبر بما قاله النبي -صلى الله عليه و سلم- لمن تخطى الرقاب: “اجلس قد آذيت و آنيت” أو بنهيه -عليه السلام- عن قدوم المجالس بعد أكل الثوم أو البصل و تعليله ذلك: “من أكل البصل و الثوم و الكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم”.
فلنحذر من إبطال أعمالنا بآذى يصيب خلقا من خلق الله، فنأثم، و نشقى، و ندفع تبعات ذلك. و لنحرص على الخير بمختلف ابوابه، و أدناها كف الشر عن الناس، و اقل مراتبها عندنا سلامة الصدر، ثم نرتقي في درجات الكمال و سلم الاخلاق حتى ننال جوار النبي صلى الله عليه و سلم و نسير على هداه: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم”

تعليقات

تعليقات

ربما أيضا تريد مشاهدة...

0 تعليقات على “التذكرة الحادية عشر: كف الأذى عبادة و صدقة”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

التاريخ الهجري

صوتك يهمنا

مارأيك في المواقف السياسية للحزب

النتائج

Loading ... Loading ...

SoundCloud

الأرشيف

تصنيفات