التفسير القدري للأحداث

Capture

د محمد عياش الكبيسي

عرفت مسألة (الاحتجاج بالقدر) كمدخل من مداخل الزندقة في التاريخ الإسلامي في مسألتين خطيرتين:

الأولى: التنصل عن الالتزام بالأحكام التكليفية الشرعية بمحو إرادة الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، وإحالتها بالكامل إلى الإرادة الإلهية (السماوية)، يقول ابن تيمية -رحمه الله- : (وأما المحتجون على القدر بإسقاط الأمر والنهي والوعد والوعيد فهؤلاء يشبهون المشركين الذين قال الله فيهم: وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم..)المجموع 8/453، إنه نوع من التبرير الساذج والمبتور، فهؤلاء لو اعتدى أحد عليهم لطالبوا بردّه والقصاص منه ولم يعتذروا له بالقدر، فكيف يحمّلون المخطئ في حقهم كامل المسؤولية ثم يعفون أنفسهم بالكامل عن أخطائهم وخطيئاتهم بحق الله احتجاجا بقدر الله؟

الثانية: هدم الأسباب والنواميس الكونية التي أودعها الله في هذا الكون بحجة التعلق برب الأسباب والتوكل عليه وحده! وهذا -كما يقول ابن تيمية- : إن كان المقصود به نفي الأسباب فهو نقص في العقل، فربط الأسباب بنتائجها أمر محسوس و معلوم ببداهة العقول فالجائع يفرق بين الخبز والتراب، والعطشان يفرق بين الماء والسراب، وإن كان إعراضا وترفعا عنها (توكلا على الله) فهو نقص في الدين، وهم بذلك بمنزلة من أكل السموم القاتلة وقال: أنا أشهد أن الله هو الذي أطعمني فلا يضرني!

اليوم هناك نزعة ظاهرة لدى بعض المتدينين وحتى من بعض العاملين للإسلام تجنح بهم نحو هذه الطريقة في التفكير وبدرجات مختلفة، أرسل أحدهم هذه العبارة على برنامج للتواصل الاجتماعي: (فقد خاب من تعلق بالأسباب، وأفلح من تعلق برب الأرباب، نسأل الله أن يرزقنا التوكل عليه سبحانه والتعلق به وحده، دون الأسباب..) فردّ عليه الثاني: (التفاتة قيمة، فقد أصبحت دراساتنا وتحليلاتنا للأمور مادّية وليست سماوية..) وهذه عينة من عينات كثيرة تصادفنا في كل مكان، والدافع الإيماني فيها واضح، ولكن الإيمان المجرد هنا لا يكفي، فأغلب المجتهدين في البدعة لا ينقصهم الإيمان ولا النية الحسنة، وإنما ينقصهم العلم.

إن إقحام (القدر) في تحليل الأحداث السياسية ونحوها والتي تعصف بالأمة اليوم، يحمل فيما يحمل جملة من المخاطر والمجازفات الدينية والدنيوية، ومن ذلك:

أولا: ضياع المقاييس التي يمكن أن نتحاكم إليها، فالقدر غيب محض نتلقى آثاره ولا نعلم كنهه، والتفسير البشري للفعل الإلهي بلا وحي هو قول على الله بلا علم، وهو في الغالب يخضع لتصورات ونزعات شخصية بحسب الانتماء والولاء، فقد رأينا من يفسّر خسارة طالبان والقاعدة في أفغانستان بالتمحيص والابتلاء الذي هو دليل محبة الله لعبده، ويفسر خسارة الإخوان في مصر بالعقوبة الإلهية على تفرّدهم في الحكم وبعدهم عن تطبيق الشرع (إن تنصروا الله ينصركم)، ومنهم من يعكس القضية تماما!! وهناك من يقول: إن ما يتعرض له العراق إنما هو عقوبة إلهية على ما ينتشر فيه من الكفر والبدعة والظلم والفرقة، فيرد عليه آخر: بل العراق رمح الله في الأرض، ورمح الله لا يكسر، إنما هو الابتلاء والتمحيص!

ثانيا: قتل الرغبة في البحث العلمي والتحليل المنطقي، والاستغناء عنها ببعض المقولات الإيمانية العامة، وأذكر قبل أيام جمعنا مجلس عامر بالكفاءات العلمية المتنوعة، وكان النقاش يدور حول سرعة انهيار الجيش في الموصل وما تبعه من أحداث وتداعيات، وإذا بأخ طبيب يعزو هذا كله إلى (دعاء مظلوم أو مظلومة في جوف الليل) وهي لفتة إيمانية وروحية -لا شك- ولكنها لم تأت في مقام الموعظة والاعتبار، بل جاءت كتفسير يقابل التفسيرات الموضوعية أو (المادية)!

ثالثا: قتل روح المراجعة والتقويم الذاتي، فضلا عن قبوله من الآخرين، فقد شاع عند الكثيرين من العاملين للإسلام (علينا العمل، والنتائج على الله) وهذه المقولة أشبه بسلاح ذي حدّين، فهي في حدّها الأول تعطي زخما جيدا للاستمرار بالعمل مهما توالت المحن والنكسات، وفي حدّها الثاني تعفي العاملين من مسؤوليتهم في مراجعة مناهجهم وأساليبهم، ولذلك تجد الخطأ الواحد يتكرر عندهم أكثر من مرة، وهذا ينطبق على أغلب الحركات والجماعات الإسلامية السياسية والجهادية والتربوية على اختلاف مشاربها وتوجهاتها.

رابعا: اللجوء إلى التشكيك في النوايا، فمع كل حالة فشل لم تدرس أسبابها المادية بدقة، يلجأ البعض إلى إساءة الظن بنوايا العاملين، على طريقة (لو كانوا صادقين لاستجاب الله لهم) وهذه مقولة شائعة، وفيها قدر من سوء الظن المحرّم، وإشاعة الشكوك والاتهامات المتبادلة بلا بيّنة ولا دليل.

خامسا: الوصول إلى حالة من اليأس الداخلي والشعور باللاجدوى نتيجة للتصورات (الطوباوية) التي لا يمكن تحقيقها من مثل مقولة؛ إن الأمة لا تنتصر مع الذنوب، وهذه مقولة وعظية لا بأس بها لحث الناس على التوبة، لكنها حينما تتحول إلى معيار أو مؤشر حاد للنصر أو الهزيمة، فإننا أمام متاهة مفتوحة لا نهاية لها، فنحن نتكلم عن مليار ونصف من المسلمين، وفيهم من الفرق والمذاهب والتباين النظري والسلوكي ما لا يعلمه إلا الله، وإصلاح هؤلاء جميعا لتحقيق النصر يبدو أقرب إلى المستحيل.

سمعت لأحد الخطباء وهو يقرّع الأمة ويقول: هؤلاء الصحابة وهم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ارتكبوا ذنبا واحدا في معركة أحد فكانت الهزيمة فكيف بذنوبنا التي بلغت عنان السماء؟! لكن خطيبنا نسي أن الحجّاج الذي بلغ ظلمه عنان السماء قد نصره الله وفتح عليه من البلاد ما لم يفتح على غيره، بينما نجد أتقى الناس في زمانه وأورعهم عليا بن أبي طالب قد انشغل بالفتن الداخلية ولم يفتح الله على يديه شبرا واحدا، وكذا الثلة المؤمنة في قصة أصحاب الأخدود الذين قضوا حرقا برجالهم ونسائهم وأطفالهم مع أن القرآن امتدحهم ولم يذكر لهم ذنبا واحدا.

إن الله ينصر من يشاء ويذل من يشاء، ويبتلي من يشاء بما يشاء وكيفما يشاء، لحكمة قد نعلمها وقد لا نعلمها، وقد تخفى اليوم لتظهر في الغد، وقد لا تظهر لنا أصلا، فنحن العباد مكلفون بفهم الأمر(الشرع) وتنفيذه، واللجوء إليه سبحانه رغبا ورهبا نستهديه ونستنصره تحقيقا لمعنى العبودية، أما الاحتجاج بالقدر ووضعه في أطر وقوانين محددة نحكم بها على الأشخاص والأحداث فهذا -لا شك- تجاوز على الدين وتغرير في العقل.
إن غالب هذه التأملات للنصوص إنما هي تأملات مجزأة ومقطعة، فكل نص يقرأ لوحده ليوظّف في النهاية توظيفا مزاجيا بحسب حال الواعظ ترغيبا أو ترهيبا، شدّة أو لينا، حبا أو كرها، فالله ينصرنا ويغفر لنا ولو بلغت ذنوبنا عنان السماء، والله أيضا يعاقبنا ويسلط علينا عدونا بالذنب الواحد، هناك يستشهد بالرجل الذي قتل مائة نفس وبالبغيّ التي دخلت الجنة بسقيها لكلب شربة ماء، وهنا يستشهد بالمرأة التي دخلت النار في هرة حبستها، والواعظ هنا لا يكلف نفسه مهمة جمع النصوص وقراءتها قراءة منهجية، بل هو يعتمد سياسة (لكل مقام مقال)! أما (التحليل السماوي) في مقابل (التحليل المادي) فإنه يذكرنا بالعصور المظلمة لأوربا، فقد كان البابا لا يجد تفسيرا لانتشار الطاعون في أتباعه سوى (بعدهم عن الله)، وحينما يسألونه عن الحل يكون الجواب طبعا (الرجوع إلى الله)، فيأتي الناس تائبين، ويحتشدون في الكنائس! حيث يكون المكان الأنسب لانتشار الوباء، فيرجعون إلى البابا ليردّهم بقوله: لو كنتم صادقين لرفع الله عنكم البلاء، وبعد مراجعات طويلة وعريضة اهتدى البابا لتشخيص آخر أكثر دقة! وهو وجود الكفار (اليهود) بين المؤمنين، وعلى إثر ذلك بدأت حملة تطهير(ديني) واسعة في كل أوربا ضد اليهود، ثم لم يهتد الأوربيون لفكرة البحث عن العلاج إلا بعد أن قتل الطاعون نحو ثلثهم تقريبا! ومن هناك بدأت الكنيسة تفقد هيبتها لصالح العلم التجريبي والفكر العلماني حتى دانت أوربا كلها بالعلمانية أو الدنيوية.

إن سلسلة الإحالات المتكررة إلى عالم الغيب بلا دليل من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الثقة في الدين نفسه، وهذه المجازفة الخطيرة يتحملها الذين أعطوا لأنفسهم صلاحية الحكم على إرادة الله وتحليل مشيئته في الخلق بانطباعات سطحية وقاصرة لكنها مغلفة بثوب الإيمان والتقوى والتوكل على الله، وغالبا ما يجمع هــؤلاء بين الجهل والعجز والغرور في عقدة نفسية مركّبة، الجهل بالإسلام، والعجز عن الأخذ بالأسباب، والغرور بمظاهر التديّن والتعبد.

إن ما يميّز الإسلام عن الدين البابوي أنه لم يجعل المسلم على مفترق طرق بين المادة والروح، ولا بين الغيب والشهادة، ولا بين الدنيا والآخرة، فالله في الإسلام هو رب الدنيا والآخرة، وهو رب الغيب والشهادة، وهو رب المــادة والــروح، وأن احترام المسلم للأسباب التي وضعها الله لا يقل أهمية عن احترامه للأحكام التي شرّعها الله، فالله له (الخلق والأمر) وسنّته في الخلق هي الأسباب، وسنته في الأمر هي الأحكام، والله فوق كل هذا له الإرادة المطلقة والعلم الشامل والقدرة على أن يفعل ما يشاء كما يشاء وفي الوقت الذي يشاء.

إن الكثير من هؤلاء لا يشكّون بتلازم الدوائر الثلاث؛ دائرة القدر (الغيب) ودائرة المادة (الشهادة) ودائرة الأحكام (الشريعة) لكن الذي ينقصهم هو منهجية التعامل مع هذه الدوائر، فقد يضع هذه مكان هذه ويأخذ من هذه لهذه، وهذه معضلة متكررة في الفهم والسلوك الديني.

إن دائرة القدر لا شأن لها بتشخيصنا للواقع ولا باستنباطنا للأحكام، يقول ابن تيمية رحمه الله: (القدر نؤمن به ولا نحتج به، فمن احتج بالقدر فحجته داحضة، ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول) المجموع 264/8، ومعنى الإيمان به إنما هو الإيمان المطلق بــإرادة الله وقدرته وعلمه وحكمته، وهذا الإيمان يستتبع التوجه إليه والتوكل عليه وحده، فإن جاء الأمر كما نريد شكرنا من غير بطر، وإن كان بخلافه صبرنا من غير يأس، فعقيدة القدر إنما هي إيمان وثقة وشكر وصبر، وهذه كلها معان إيجابية تدفع باتجاه الحياة الأفضل والسلوك الأقوم.أمــا الحكم على الأشخاص والتصرفات فليس للقدر فيه نصيب، بل هو موكول للشرع وحــده، فهذا على الحق وهــذا على الباطل لا يكون إلا بالشرع، وإقحام القدر في هذا باب من أبواب التيه والضلال وفقدان الموازين، وأوّل من احتج بمجريات القدر على صحّة مذهبه هم الخوارج حيث قال قائلهم بعد معركة نصروا فيها:

أألـــفــــا مـؤمــن فــيــمـا زعـــمـــتــم .. ويـهـزمـهـم بـآسـك أربـعـونـــا ؟

كـذبتم لـيــس ذاك كــمــا زعــمـــتــــم … ولكـن الـخـوارج مؤمـنــــونـا

هــم الـفئـــة القـلـيلـة قـد عـلـــمــتـم..على الفـئة الـكـثـيــرة يُنـصـرونـا

وهــو الاســتــدلال نفسه الـــذي يــكــرره الشيعة الــيــوم بعد هيمنتهم الاستثنائية وتمددهم في العراق والشام واليمن وغيرها من البلاد.

إن العقيدة الصحيحة هي تلك الموافقة للوحي قلّ أتباعها أو كثروا، انتصروا أو هزموا، والحلال ما أحله الله لا ما يقوله المتغلب، والحرام ما حرّمه الله لا ما يقوله المغلوب.

والمسلم مكلف بتطبيق الشرع وليس بتطبيق القدر، فآكل الربا قد يحترق بيته عقوبة أو تأديبا أو ابتلاء هذا كله لا يعنينا إلا من حيث الاعتبار، أما الواجب الشرعي فهو إنقاذه وأهله وتقديم المساعدة لهم، وحرمة التشفي بهم أو إهانتهم، ثم في مساعدته على التخلّص من هذا الإثم، ومن المؤسف هنا أن نجد بعض الخطباء من يظهر التشفي بالكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات التي تصيب النساء والرجال والأطفال وتدمّر المساكن والممتلكات، لأنهم (كفّار)! إن هذا السلوك المنافي لقيم الإسلام قد تولّد نتيجة لهذا الخلط بين دائرة الشرع ودائرة القدر، والحق أن الله له أن يبتلي أو يعاقب من يشاء بما يشاء، أما نحن البشر فلا نعاقب أحدا إلا بالعقوبات الشرعية بشروطها وحيثياتها.

أما الدائرة الثالثة وهي دائــرة (المــادة) أو (عالم الشهادة) فإنما الواجب فهمها وتحليلها تحليلا ماديا صرفا، وهو ما ينبغي أن يشترك فيه جميع البشر على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم، فعلم الفلك وعلم الطب وعلم الهندسة وحتى السياسة والإدارة والاقتصاد من حيث تشخيص الواقع ودراســة الظواهر لا ينبغي أن تخضع لغير التجربة الإنسانية القابلة للاختبار والقياس، ومن يقرأ ما كتبه فقهاؤنا عن تضمين الأطباء والصُنّاع الذين لا يتقنون مهنتهم وكيف يحملونهم مسؤولية أخطائهم وفق المقاييس الماديّة البحتة يتأكد من عمق ذلك الوعي الذي أنتج تلك الحضارة الرائدة بكل جوانبها.

أذكر قبل سنوات كان لي لقاء رمضاني على الهواء مع أحد أركان العلم التجريبي وهو كذلك داعية إسلامي معروف، سألته: كيف قبلوا شهادة الشهود برؤية الهلال إذا كنتم أنتم أهل العلم تقولون باستحالة الرؤية لأن الهلال قد غاب قبل الشمس ولم يعد له وجود في الأفق أصلا، قال: ليس عندي تفسير إلا أنها (كرامة)! هــذه الطريقة في التفكير صرنا نراها اليوم في كل مجالات حياتنا السياسية والفكرية والتربوية، تقابلها نزعة أخرى تستبعد الدين ولا تعترف إلا بالحياة الدنيوية المادّية، وهما جزء أساس في حالة الفوضى والضياع الذي نعيش.

تعليقات

تعليقات

ربما أيضا تريد مشاهدة...

0 تعليقات على “التفسير القدري للأحداث”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

التاريخ الهجري

صوتك يهمنا

مارأيك في المواقف السياسية للحزب

النتائج

Loading ... Loading ...

SoundCloud

الأرشيف

تصنيفات