لماذا التدرج في التغيير هو الحل الأمثل لدى أردوغان؟

Capture

أسامة حساني – خاص ترك برس

“إن العامل الأهم في تحقيق النجاح في كل الحضارات كانت تلك الرؤية الجماعية للشعوب، وللمستقبل الذي ينتظرها”، فريد بولاك.

ما الذي تعنيه “الرؤية الجماعية للشعوب”؟ وهل حقاً يمتلك الشعب التركي اليوم “رؤية جماعية إسلامية”؟

في الوقت الذي تنطلق فيه أصابع الاتهام تجاه حزب العدالة والتنمية بالتقصير والتخاذل في نشر الثقافة الإسلامية والعمل بمقتضاها في تركيا الحديثة، ينسى البعض ماهية الشعب التركي الذي تنفس الصعداء بعد سنين طوال عملت فيها شتى القوى العلمانية على طمس معالمه الإسلامية، وتغيير تضاريس رؤيته الإسلامية.

الدولة العثمانية التي بلغت ما بلغت من مجد، لم تكن يوماً لتصل إلى ما وصلت إليه لولا إرادة الشعب بأكمله حينذاك، ولولا وجود النزعة الإسلامية التي تأصلت في كل فرد من أفرادها، هي الرؤية الجماعية للشعوب التي قامت على عاتقها إحدى أعظم الإمبراطوريات الإسلامية التي شهدها التاريخ، والشعب التركي ولإن كان ذو توجه ديني بفطرته لم تستطع قوة ما أن تطمسه نهائياً إلا أنه خرج من فترة التسعينيات برؤية جديدة لا تشبه رؤية أجدادهم العثمانيون مطلقاً، وهذا ما أرادته القوى الإستعمارية الحاقدة على الإسلام لتضمن عدم عودة قوة للإسلام مجدداً بعد أن أجهزت على آخر قوة إسلامية في عام 1924م.

اليوم بعد أن برزت أهمية تركيا في العالم الإسلامي من جديد، منذ أن تولى حزب العدالة والتنمية إدارة تركيا، والمجتمع الإسلامي ينتظر، ويترقب بلهفة ما الذي يمكن أن يحدث؟ وإلى ما يصبو أردوغان؟

منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923م بعد إنهاء الخلافة العثمانية، رسّخت تركيا مبدأ العلمانية بقوة محتذيتاً بذلك خطى الغرب، وزُرع في عقول أبناءها أن الحرية والديمقراطية لا يمكن أن تتمثل سوى بالعلمانية المطلقة، مما مهد لظهور جيل بعيد عن الدين بما يكفي لإشباع غاية العلمانيين ممن حكموا البلاد خلال 80 عاماً عملوا فيها على قمع الرموز الدينية، سالكين شتى الطرق الممكنة لإقصاء الدين عن حلبة السياسة والدولة، واستصدار الأحكام المناهضة للأسلام من منع الحجاب إلى منع الآذان إلى ما لا يعلمه إلا الله لو قُدّر لهذه الحكومات أن تستمر إلى يومنا هذا.

أياً يكن فقد استطاعت تلك الحكومات أن تحرف مسار الثقافة التركية الإسلامية العريقة، وتستبدلها برموز وقناعات واهتمامات وقدوات علمانية بحتة.

إذاً التاريخ يعيد نفسه، إذ كان على الأتراك العثمانيين في الماضي من منطلق إسلامي أن يدحروا الدولة البيزنطية وأن يدرؤوا عن أمتهم الإسلامية خطراً مقيماً بل ويخلصوا ثغور الإسلام من السيطرة الاستعمارية، وأكثر من ذلك كان عليهم أن يوصلوا الإسلام إلى قلب أوروبا، كانت تلك رسالتهم التي أدوها بأمانة واقتدار، فاليوم على أردوغان أيضاً أن يعيد صياغة الشعب التركي الذي أخرجه العبث العلماني عن مساره ورؤيته، وأن يعمل على إصلاح ما أفسده العلمانيون، وصياغة المجتمع من جديد بآلية تسمح بظهور جيل يحمل رؤية جماعية إسلامية مغايرة لما رسمته العلمانية خلال الفترة السابقة من عمر تركيا، هي مهمة قد تبدو أسهل مما هي عليه في الواقع، إلا أن مبدأ إحداث التوازن بين ضرورة الوفاء بمطالب اليوم، والإستثمار في الإمكانيات التي ستساعد في صنع الفرق في الغد يشكل تحدياً جاداً يتطلب صبراً وحذراً شديدين، من هنا كان لا بد من التدّرج في التغيير، وعدم التسرع على عكس ما يعتقد البعض فإنه الحل الأمثل.

لماذا التدرج هو الحل الأمثل؟

“هل فكرت يوماً كم هو سخيف أن تنسى وضع البذور في الأرض في فصل الربيع، وتظل تلهو طوال فصل الصيف، وعندما يحل فصل الخريف تتذكر الحصاد فتشرع في القيام بكل أعمال الزراعة الفائتة التي لم تقم بها في حينها؟ بالطبع هذا مستحيل لأن الزراعة ما هي إلا نظام طبيعي يتطلب بذل الجهد في البداية لتجني الثمار في النهاية.

فأنت دائما تحصد ما تزرع يداك، ولا مكان للطرق المختصرة في هذه المرحلة..”، ستيفن آر كوفى.

هذا بالضبط ما ينطبق على العلاقات الإنسانية بشكل عام، إذ هي أيضاً نظام طبيعي يتماشى مع أساس “اليد تجني ما زرعت”، لذا إنه وقت الزراعة. فلتزرعوا إذاً! لِم كل هذا التنديد والانتقاد الذي لم ولن يجدي نفعاً.

قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز رحمهما الله لأبيه: (يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك، قال: يا بني إني إنما أروض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعاً من طمع الدنيا، فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه).

وقال رحمه الله أيضاً: (ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً).

ما الذي يسعى أردوغان لتغييره إذاً؟

التمهيد لإعادة المفاهيم الإسلامية من جديد شيئاً فشيئأً بشكل يتوافق مع العصر دون الخروج عن المبادئ، ودون التصدام مع القوى العلمانية التي ما زالت مؤثرة إلى حد ما في تركيا إلى يومنا هذا، ولن يتم هذا قبل التأثير في نظرة المجتمع التركي تجاه الإسلام، وزرع الرؤية الواضحة السليمة في عقول الجيل الناشئ، وتغيير الإنسان ليتحول إلى إنسان مستقيم وفعّال هو هدف عملية التغيير الإسلامي، وتتمثل في خمس جوانب كما لخصها الدكتور “طارق السويدان”:

1- تغيير الفكر والقناعات.
2- تغيير الاهتمامات.
3- تغيير المهارات.
4- تغيير العلاقات.
5- تغيير القدوات.

تعليقات

تعليقات

ربما أيضا تريد مشاهدة...

0 تعليقات على “لماذا التدرج في التغيير هو الحل الأمثل لدى أردوغان؟”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

التاريخ الهجري

صوتك يهمنا

مارأيك في المواقف السياسية للحزب

النتائج

Loading ... Loading ...

SoundCloud

الأرشيف

تصنيفات